تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسد الغابة ( دار الفكر ) — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
وكان لبيد بن ربيعة وعلقمة بن علاثة العامريان من المؤلفة قلوبهم وحسن إسلامهما . ومما يستجاد من شعره قوله من قصيدة يرثى أخاه أربد [ ( 1 ) ] :
أعاذل ، ما يدريك إلّا تظنّيا [ ( 2 ) ] * إذا رحل السّفّار : من هو راجع
أتجزع ممّا أحدث الدّهر للفتى * وأيّ كريم لم تصبه القوارع
لعمرك ما تدري الضّوارب بالحصى * ولا زاجرات الطير ما اللَّه صانع
وما المرء إلا كالشّهاب وضوئه * يحور رمادا بعد ما هو ساطع
وما البرّ إلا مضمرات من التقى * وما المال إلا معمرات ودائع
وقال عمر بن الخطاب يوما للبيد بن ربيعة أنشدني شيئا من شعرك . فقال : ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني اللَّه « البقرة » « وآل عمران » ، فزاده عمر في عطائه خمسمائة ، وكان ألفين . فلما كان في زمن معاوية قال له معاوية : هذان الفودان [ ( 3 ) ] ، فما بال العلاوة ؟ يعنى بالفودين الألفين ، وبالعلاوة الخمسمائة ، وأراد أن يحطه إياها فقال : أموت الآن وتبقى لك العلاوة والفودان ! فرقّ له وترك عطاءه على حاله ، فمات بعد ذلك بيسير . وقيل : إنه لم يدرك خلافة معاوية ، وإنما مات بالكوفة في إمارة الوليد بن عقبة عليها في خلافة عثمان . وهو أصح . ولما مات بعث الوليد إلى منزله عشرين جزورا ، فنحرت عنه . روى أن الشعبي قال لعبد الملك بن مروان تعيش ما عاش لبيد بن ربيعة . وذلك أنه لما بلغ سبعا وسبعين سنة أنشأ يقول [ ( 4 ) ] :
باتت تشكّى إليّ النفس مجهشة * وقد حملتك سبعا بعد سبعينا
فإن تزادي ثلاثا تبلغي أملا * وفي الثّلاث وفاء للثّمانينا
عاش حتى بلغ تسعين ، فقال :
كأنّى وقد جاوزت تسعين حجة * خلعت بها عن منكبىّ ردائيا
هامش
[ ( 1 ) ] الشعر والشعراء : 1 / 278 ، 279 ، والاستيعاب : 3 / 1337 . [ ( 2 ) ] تظنيا : أصله « تظننا » ، قال أبو عبيدة : « تظنيت من ظننت ، وأصله : تظننت ، فكثرت النونات ، فقلبت إحداها ياء ، كما قالوا : قصيت أظفارى ، والأصل : قصصت » . [ ( 3 ) ] الفودان : العدلان ، مثنى عدل ، بكسر فسكون ، وهو المثيل والنظير . [ ( 4 ) ] الاستيعاب : 3 / 1338 .