الإصابة بالحمى ولو لوقت محدود ، حيث الآلام وفقدان النوم والهذيان ، فكيف به حين خروج الروح والحشر والنشر يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى اللّه بقلب سليم . وعليه فإنّ للحمى فوائد كثيرة ، كتهذيب النفوس ، وغسل الذنوب ، وصفاء القلوب التي دنستها وساوس الشيطان ، لذلك يتوجب على كل ذي بصيرة الحذر من طغيان بضاضة الشباب وغضارة الصحة وعظيم النعمة ، والخضوع والتسليم الكامل لرب العالمين . إن الإنسان المتفاخر بقوته وحاله تستطيع أصغر المخلوقات ( الميكروبات ) أن تذله وتبكيه وتقعده عن العمل ، من خلال الحمى التي تجعله يتصاغر طالبا العون والمساعدة والعلاج وكأن الدنيا صارت ظلام دامس لا أمل فيها ولا مستقبل . الإمام علي عليه السّلام أشار بتلك الحكمة إشارة الطبيب الخبير الذي شخص وأبصر وحذّر وأنذّر من خطر الحمى ، بالأخص عندما تكون عالية ومزمنة وترافقها أخطار جسمية ، فهي بالنسبة للإنسان تمثل رسالة واضحة وصريحة وذات دلالة أكيدة على خطورة الحال وسوء الأحوال التي لا بدّ من مراجعة أهل الخبرة والصلاح لأجلها . الإمام عليه السّلام وصف الحمى بالسجن وهو وصف جميل له دلالة بالغة ، لأنّ الإنسان المحموم مجمد الفعالية وغير قادر على أداء أعماله الاعتيادية ، وأحيانا لا يتمكن حتى من تناول طعامه ، فهو اذن بمثابة سجين في البيت أو المستشفى ، وهذا السجن والمعاناة الناتجة من الحمى لها ثواب وحسنات كثيرة لا تعد ولا تحصى ، وانها تسقط الذنوب التي في ذمة المريض بالأخص المؤمن كما يتساقط الوبر من سنام البعير .
أما بالنسبة لغير المؤمن فإنّها بمثابة عقوبة يقضيها في سجن الدنيا من دون أجر أو ثواب . أما وصف تساقط الذنوب كتساقط الوبر من سنام البعير
نهج البلاغة والطب الحديث — صفحة 367
مساهمون: صادق عبد الرضا علي
ص٣٦٧