معرض تعليقه على هذه الآية : « إنا خلقنا ذرّية آدم من نطفة ، يعني من ماء الرجل وماء المرأة . .
وقوله أمشاج : يعني أخلاط . واحدها مشج ومشيج . يقال منه إذا مشجت هذا بهذا خلطته ، وهو مشوج به ومشيج أي مخلوط . وهو اختلاط ماء المرأة بماء الرجل » .
وبطبيعة الحال فإن معنى لفظة النطفة في هذه الآية ، لا ينطبق على المعنى الاصطلاحي العلمي ، الذي اتفق عليه بعد قرون من نزول القرآن . ولكن يبقى المعنى اللغوي صحيحا ومقبولا .
فنستطيع أن نستبدل كلمة « نطفة » بكلمة موازية مثل « قطرة » . فنحافظ بذلك على الفهم الصحيح لهذه الآية ، بشكل مستقل عن الفكرة المتعلقة بأذهاننا ، حول ارتباط كلمة « النطفة » بالوحدة الذكرية التي ستكوّن البيضة الملقحة ، ومن ثم الجنين .
ولكن الشيء الغريب في آيتنا الكريمة هذه ، هو أن كلمة « نطفة » بلفظها المفرد ، وصفت بكلمة « أمشاج » بلفظ جمع . ومعلوم بداهة أن الصفة توافق الموصوف بالفرد والجمع . وهكذا فكلمة نطفة في عبارة مثل « نطفة أمشاج » سوف تعني ارتباط أشياء متعددة وامتزاجها في قطرة واحدة ، لتشكّل وحدة متكاملة ، وهي بتعبيرنا البيضة الملقحة
Zygote
. والأشياء هذه التي ستتحد لتكوّن القطرة الواحدة ، يجب أن يكون عددها يؤهلها لأن يعبر عنها بصيغة الجمع ، أي أن يكون العدد ثلاثة فصاعدا . والأشياء هذه يمكن أن تكون وبوضوح شديدة : الصبغيات الأبوية
Paternal Chromosomes
، والصبغيات الأمومية
Maternal Chromosomes
، مع بقية محتويات الخلية . فهذه الأشياء المتحدة تشكل أجزاء عدة ، لكل منها أهميته ، ووظيفته .
وهكذا فإن القرآن الكريم أشار إلى المنشأ المزدوج للبيضة الملقحة ، وذلك قبل قرون عدّة من ظهور النظريات ، ومن ثم الإثباتات العلمية حول هذا الأمر .
6 - خلقه فقدّره :
قال تعالى :
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
[ عبس / 19 ] . يبين اللّه سبحانه وتعالى هنا ، أنه خلق الإنسان كاملا ، ابتداء من قطرة واحدة ، هي البيضة الملقحة . ثم أتبع جلّ وعلا ذلك بكلمة ( فقدّره ) .
والمقصود من هذه الكلمة هو : رسم البرنامج الذي سيتبعه هذا الكائن الجديد ، والذي لن يغادره قيد أنملة .
وكان الرابط بين كلمة « خلقه » وكلمة « قدّره » حرف ال « ف » . وهذا يفيد الانتقال المباشر والسريع بين الأحداث . أي أن التقدير يتلو الخلق مباشرة . فكان بذلك إعجازا جديدا ، إذ بمجرد أن تلتحم النطفة بالبيضة ، وتتشكل البيضة الملقحة
Zygote
( نطفة بالتعبير القرآني ) ( الخلق ) ، تختلط