ولأخذ فكرة عن كيفية قيام أطباء البيمارستانات بأعمال التدريس والتدريب ، فإننا نورد فيما يلي ما رواه لنا ابن أبي أصيبعة عن الطبيب أبي المجد بن أبي الحكم ، أحد أطباء البيمارستان النوري الكبير بدمشق :
« هو أفضل الدولة أبو المجد بن أبي الحكم ، من الأفاضل في الصناعة الطبية ، ولما « أنشأ الملك العادل نور الدين البيمارستان الكبير ، جعل أمر الطب إليه فيه .
« وكان أبو المجد يدور على المرضى ويتفقد أحوالهم ، وبين يديه المشارفون « والقوّام لخدمة المرضى ، فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير ، لا « يؤخر عنه ولا يتوانى فيه . وكان بعد فراغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة ، وافتقاده « المرضى من أعيان الدولة . يأتي ويجلس في الإيوان الكبير الذي للبيمارستان ، « وجميعه مفروش ، ويحضر الاشتغال ، وكان نور الدين رحمه اللّه قد وقف على هذا « البيمارستان جملة كبيرة من الكتب الطبية . وكان جماعة من الأطباء المشتغلين « يأتون إليه ويقعدون بين يديه ، ثم تجرى مباحث ويقرئ التلاميذ ، ولا يزال معهم « في اشتغال ومباحثة ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات ، ثم يركب إلى « داره » 6 .
وكمثال آخر على أسلوب تدريب الأطباء في البيمارستانات نورد ما ذكره لنا ابن أبي أصيبعة عن نفسه ، عندما كان يتدرب في البيمارستان النوري الكبير بدمشق ، فقال في معرض حديثه عن الطبيب مهذب الدين الدخوار ما يلي :
« ولما أقام الشيخ مهذب الدين بدمشق ، شرع في تدريس صناعة الطب ، « واجتمع إليه خلق كثير من أعيان الأطباء وغيرهم يقرؤون عليه ، وأقمت أنا « بدمشق لأجل القراءة عليه . . وقد لازمته أيضا في وقت معالجته للمرضى « بالبيمارستان ، فتدربت في ذلك معه وباشرت أعمال صناعة الطب وكان في « ذلك الوقت معه أيضا في البيمارستان الحكيم عمران بن صدقة لمعالجة المرضى
تاريخ التعليم الطبي في البلاد العربية — صفحة 29
مساهمون: محمد كمال شحادة
ص٢٩