والدليل على أن هذه الرطوبة بين العنبية والقرنية أنا نرى في بعض الأعين الماء يتسع فلا يتيبين من العنبية شيء إلا اليسير من حول الماء وإذا أزيل بالقدح بانت الطبقة العنبية على ما كانت عليه وليس أحد يضره بهذه السعة ولو كانت بهذه السعة حتى يزول الماء لما أبصروا شيئا ، ومما يستدل به أيضا أن الماء يكون في الموضع الذي فيما بين الصفاق القرني والرطوبة الجليدية والمقدحة تذهب وتجيىء في مكان واسع . ولو كان المهت يثقب الطبقة العنبية حتى يصل إلى الرطوبة البيضية ليحط الماء منها لكانت البيضية تسيل وتخرج عند إخراج المهت من الثقب ولو قلت مثل إخراجه أيضا ليس يرى المهت يثقب غير الحجاب الملتحم فقط وأما العنبية الملساء فعليها رطوبة فإذا ماسها المهت زلق عنها واندفعت إلى الداخل ولذلك جعل رأس المهت مدورا لئلا يعقر العنبية وإلّا كان يجعل حاد الرأس ليكون إرسالك له أهون وأسهل . والعنبية أيضا نباتها من المشيمة وهي لاصقة بها لا فرق بينها . ولا تحس في وقت إدارة المهت يثقب طبقة أخرى فقد بان من هذا أن الماء بين العنبية والقرنية ولقائل أن يقول إذا كان الأمر على ما ذكرت فكيف يعلق الماء بخمل العنبية ؟ والجواب عن ذلك أن المهت إذا حصل بين الطبقتين مع الماء ضغط العنبية فعرض عن ذلك الضغط اتساع مثل ما يعرض للرحم عند الولادة من الإتساع لخروج الجنين لأرباط الرحم رخو فإذا خرج الجنين عاد إلى حالته الأولى كذلك هذه الطبقة يعرض لها مثل ما يعرض للرحم رخو فإذا خرج الجنين الخمل الماء زال عنه الضغط وعادت الحدقة إلى حالتها الأولى وبالجملة حيث تكون المدة الكامنة خلف القرنية هناك يكون الماء . ولقائل يقول أن الماء هو غلظ البيضية فيقلا له : البيضية هي رطوبة تشبه بياض البيض الرقيق وغلظها أما أن يكون في جزء منها وأما في سائرها فإذا كان في سائرها فإنما يكون عن تغير مزاج بارد يغلطها ويثخنها عن رقتها وهذا شيء لا يمكن إزالته بمهت بل بالأدوية . وأما الماء فهو رطوبة تحصل بين العنبية والقرنية .
أنه ليس جميع أنواع الماء التي ذكرتها تنجح في القدح بل ما كان منها شبيها بالهواء ولم يكن في العين سدة ولا ضيق يمنع ولا يكون الماء شديد الجمود ولا رقيقا جدا فإن الرقيق يعود بعد القدح بل ما كان معتدل القوام قد استحكم واما قبل استحكمته فلأنه إذا قدح ولم يستحكم عاد ثانية وأما سائر أنواع الماء الباقية فلا تقدح لأنها شديدة الجمود .
وقد يستدل على الماء أنه إذا قدح أنجح وأبصر الإنسان بخمس خصال إحداها أن يرى الماء شبيها بالهواء في الصفاء والحسن بعد أن يكون قد استحكم وعلامة استحكامه أن تقيم القليل بين يديك في الشمس وتغمض العين التي فيها الماء وتعصر جفن العين بالأبهام
طب العيون : دراسة تاريخية مقارنة — صفحة 148
مساهمون: عبد الرزاق السامرائي
ص١٤٨