تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معجم النبات عند أهل البيت ( ع ) — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
فكلف ندفه وغزله ونسجه ، وخلق له الشجر فكلف غرسها وسقيها والقيام عليها ، وخلقت له العقاقير لأدويته فكلف لقطها وخلطها وصنعها وكذلك تجد سائر الأشياء على هذا المثال تأمل الحكمة في خلق الشجر وأصناف النبات فإنها لما كانت تحتاج إلى الغذاء الدائم كحاجة الحيوان ولم يكن لها أفواه كأفواه الحيوان ولا حركة تنبعث بها لتناول الغذاء جعلت أصولها مركوزة في الأرض لتنزع منها الغذاء فتؤديه إلى الأغصان وما عليها من الورق والثمر فصارت الأرض كالأم المربية لها ، وصارت أصولها التي هي كالأفواه ملتقمة للأرض لتنزع منها الغذاء كما يرضع أصناف الحيوان أمهاتها . ألا ترى إي عمد الفساطيط والخيم كيف تمد بالاطناب من كل جانب لتثبت منتصبة فلا تسقط ولا تميل فهكذا تجد النبات كله له عروق منتشرة في الأرض ممتدة إلى كل جانب لتمسكه وتقيمه ، ولولا ذلك كيف كان يثبت هذا النخل الطوال والدوح العظام في الريح العاصف ، فانظر إلى حكمة الخلقة كيف سبقت حكمة الصناعة فصارت الحيلة التي تستعملها الصناع في ثبات الفساطيط والخيم متقدمة في خلق الشجر لان خلق الشجر قبل صنعة الفساطيط والخيم ألا ترى عمدها وعيدانها من الشجر ؟ فالصناعة مأخوذة من الخلقة . تأمل يا مفضل خلق الورق فإنك ترى في الورقة شبه العروق مبثوثة فيها أجمع فمنها غلاظ ممتدة في طولها وعرضها ، ومنها دقاق تتخلل الغلاظ منسوجة نسجا دقيقا معجما لو كان مما يصنع البشر لما فرغ من ورق شجرة واحدة في عام كامل ، ولا احتيج إلى آلات وحركة وعلاج وكلام فصار يأتي منه في أيام قلائل من الربيع ما يملا الجبال والسهل وبقاع الأرض كلها بلا حركة ولا كلام إلا بالإرادة النافذة في كل شيء والامر المطاع . واعرف مع ذلك العلة في تلك العروق الدقاق فإنها جعلت تتخلل الورقة بأسرها لتسقيها وتوصل الماء إليها بمنزلة العروق المبثوثة في البدن لتوصل الغذاء إلى كل جزء منها وفي الغلاظ منها معنى آخر فإنها تمسك الورقة بصلابتها ومتانتها لئلا تنهتك وتتمزق فترى الورقة شبيهة بورقة معمولة بالصنعة من خرق قد جعلت فيها عيدان ممدودة في طولها وعرضها للتماسك فلا تضطرب فالصناعة تحكي الخلقة وإن كانت لا تدركها على الحقيقة . فكر في هذا العجم والنوى والعلة فيه فإنه جعل في جوف الثمرة ليقوم مقام الغرس إن عاق دون الغرس عائق ، كما يحرز الشئ النفيس الذي تعظم الحاجة إليه في مواضع آخر ، فإن حدث على الذي في بعض المواضع منه حادث وجد في موضع آخر ، ثم بعد يمسك بصلابته رخاوة الثمار ورقتها ، ولولا ذلك لتشدخت وتفسخت وأسرع إليه الفساد ، وبعضه يؤكل ويستخرج دهنه فيستعمل منه ضروب من المصالح ، وقد تبين لك موضع الإرب في العجم والنوى فكر الآن في هذا الذي تجده فوق النواة من الرطبة وفوق العجم من العنبة فما العلة فيه ؟ ولماذا يخرج في هذه الهيئة ؟ وقد كان يمكن أن يكون مكان ذلك ما ليس فيه مأكل كمثل ما يكون في
معجم النبات عند أهل البيت ( ع ) — صفحة 383 | عبد الرسول زين الدين