من الصنفين صلاحا في ذلك : أما الأبرار فإنهم يغتبطون مما هم عليه من البر والصلاح ويزدادون فيه رغبة وبصيرة . واما الفجار فإنهم يعرفون رأفة ربهم وتطوله عليهم بالسلامة من تغير استحقاقهم فيحضهم ذلك على الرأفة بالناس والصفح عمن أساء إليهم . ولعل قائلا يقول : إن هذه الآفات التي تصيب الناس في أموالهم ، فما قولك فيما يبتلون به في أبدانهم فيكون فيه تلفهم ، كمثل الحرق والغرق والسيل والخسف ؟ فيقال لهم : إن اللّه جعل في هذا أيضا صلاحا للصنفين جميعا : أما الأبرار فلما لهم في مفارقة هذه الدنيا من الراحة من تكاليفها والنجاة من مكارهها ، وأما الفجار فلما لهم في ذلك من تمحيص أوزارهم وحبسهم عن الازدياد منها . وجملة القول أن الخالق تعالى ذكره بحكمته وقدرته قد يصرف هذه الأمور كلها إلى الخيرة والمنفعة فكما أنه إذا قطعت الريح شجرة أو قطعت نخلة أخذها الصانع الرفيق واستعملها في ضروب من المنافع فكذلك يفعل المدبر الحكيم في الآفات التي تنزل بالناس في أبدانهم وأموالهم فيصيرها جميعا إلى الخيرة والمنفعة . وقد وافاني كتابك ورسمت لك كتابا كنت نازعت فيه بعض أهل الأديان من أهل الانكار وذلك أنه كان يحضرني طبيب من بلاد الهند ، وكانت لا يزال ينازعني في رأيه ، ويجادلني على ضلالته ، فبينا هو يوما يدق إهليلجة ليخلطها دواء احتجت إليه من أدويته ، إذ عرض له شيء من كلامه الذي لم يزل ينازعني فيه من ادعائه أن الدنيا لم تزل ولا تزال شجرة تنبت وأخرى تسقط ، نفس تولد وأخرى تتلف ، وزعم أن انتحالي المعرفة له تعالى دعوى لا بينة لي عليها ، ولا حجة لي فيها ، وأن ذلك أمر أخذه الاخر عن الأول ، والأصغر عن الأكبر ، وأن الأشياء المختلفة والمؤتلفة والباطنة ظاهرة إنما تعرف بالحواس الخمس : نظر العين ، وسمع الاذن ، وشم الانف ، وذوق الفم ، ولمس الجوارح ، ثم قاد منطقه على الأصل الذي وضعه فقال : لم يقع شيء من حواسي على خالق يؤدي إلى قلبي ، إنكارا اللّه تعالى . وقد رأيتها . قلت : أفما تشهد بحضور هذه الإهليلجة على وجود ، ما غاب من أشباهها ؟ قال : ما أدري لعله ليس في الدنيا إهليلجة غيرها . فلما اعتصم بالجهالة قلت : أخبرني عن هذه الإهليلجة أتقر أنها خرجت من شجرة ، أو تقول : إنها هكذا وجدت ؟ قال : لا بل من شجرة خرجت . قلت : فهل أدركت حواسك الخمس ما غاب عنك من تلك الشجرة ، قال : لا . قلت : فما أراك إلا قد أقررت بوجود شجرة لم تدركها حواسك . قال : أجل ولكني أقول : إن الإهليلجة والأشياء المختلفة شي لم تزل تدرك ، فهل عندك في هذا شي ترد ، به قول ؟ قلت : نعم أخبرني عن هذه الإهليلجة هل كنت عاينت شجرتها وعرفتها قبل أن تكون هذه الإهليلجة فيها ؟ قال : نعم . قلت : فهل كنت تعاين .
( توحيد المفضل بن عمر )
معجم النبات عند أهل البيت ( ع ) — صفحة 386
مساهمون: عبد الرسول زين الدين
ص٣٨٦