ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها بعد الذي وصفت فضلا وتردادا ، وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء ، ولا قولنا فيها كقولهم ؛ لأنّهم ذكروها على ما يحتاج إليه في صناعة الطب وتصحيح الأبدان ، وذكرناها على ما يحتاج إليه في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغيّ ، كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها .
في الفكر والوهم والعقل والحفظ
تأمّل يا مفضل هذه القوى التي في النفس ، وموقفها من الإنسان ، أعني : الفكر ، والوهم ، والعقل ، والحفظ ، وغير ذلك !
أفرأيت لو نقص الإنسان من هذه الخلال الحفظ وحده ، كيف كان يكون حاله ؟ وكم من خلل كان يدخل عليه من أموره ومعاشه وتجاربه ، إذا لم يحفظ ما له وعليه ، وما أخذ وما أعطى ، وما رأى وما سمع ، وما قال وما قيل له ، ولم يذكر من أحسن إليه ممّن أساء به ، وما نفعه ممّا ضرّه ؟
ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصى ، ولا يحفظ علما ولو درسه عمره ، ولا يعتقد دينا ، ولا ينتفع بتجربة ، ولا يحفظ علما ، ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى ، بل كان حقيقيا أن ينسلخ من الإنسانية أصلا !
فانظر إلى النعمة على الإنسان في هذه الخلال ، كيف موقع الواحدة منها دون الجميع ؟
وأعظم من النعمة على الإنسان في الحفظ : النعمة في النسيان ؛ فإنّه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة ، ولا انقضت له حسرة ، ولا مات له حقد ، ولا