وهي في الحقيقة سياسية انفصالية شغلت الرأي العام والحمومات المتوالية وأخص بالذكر منها : أصحاب المذهب الصّفري والمذهب الشيعي الإسماعيلي ، واشتد الجدل وتعصب صاحب كل مذهب لمذهبه ، وأطرد الإمام سحنون قاضي القيروان الصفرية ومنعهم من إلقاء دروسهم بجامع عقبة ، وطارد عبيد اللّه المهدي أصحاب المذهب المالكي وألزمهم ديارهم وانقطع الجدل .
فكيف يتقدم العلم من غير تحاكك الأفكار ، والجدل الحر والخوف من التعسف ؟ ومن آثار هاته الحالة الاجتماعية والفكرية المؤسفة لم يتكون بإفريقية فيلسوف واحد ولا طبيب عبقري ما عدا ابن الجزار نسبيا . فقد سلك ابن الجزار مسلك من سبقه في التقليد . وإن كان له امتياز فإنه يتمثل في منهج التأليف الذي اتبعه في « زاد المسافر » من حيث الاختصار ، والتنسيق خصوصا إذا قيس المؤلف بالطبيب البغدادي أبو بكر الرازي في كتابه « الحاوي » الذي يعتبر أكبر موسوعة في الطب العربي ، وأستاذه ابن سليمان في كتابيه « الأغذية والحميات » اللذين كانا على درجة من الإطناب تذهب بالفائدة .
الطب العربي التونسي في عشرة قرون — صفحة 37
مساهمون: أحمد بن ميلاد
ص٣٧