تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الطب العربي التونسي في عشرة قرون — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧

المهدية

ولما فرّ إبراهيم بن الأغلب آخر الولاة على القيروان وحل مكانه عبيد اللّه المهدي لم يلبث قليلا حتى نقل تخته إلى المهدية ( سنة 308 / 920 ) وبنى سورها وشيّد قصورها وبنى قرية زويلة ملاصقة لها لإسكان الرعية . وبالرغم من الفتنة الدينية التي أحدثها بين أهل القيروان المتساكنين والمتشبثين بالمذهب المالكي فإن المهدية لم تفقد الثروة المادية . فقد أصبحت شبه مرسى عالمي بين الشرق والغرب تدخلها السفن يوميا آتية من هنا وهناك لنقل البضائع أو بيعها ، ونقل التجار والحجيج ، ونمت الصناعة والفلاحة والتجارة . يذكر المقدسي أن البضاعة المصدرة كانت الفواكه من لوز وفستق وزيت الزيتون والجلود والمنسوجات من الصوف والكتان وأقمشة السوستي من سوسة كان لها حظ كبير أيامها لجودتها ، أما الواردات كانت المواد الحديدية ومواد الطبخ والتوابل . ولنا في مقدار الثروة آنذاك مقياس يتمثل في المال الذي نقله المعز لدين اللّه أحمالا إلى القاهرة يوم انتقلت الدولة العبيدية إلى مصر وخلفتها الدولة الصنهاجية ، وما أنفقه المعز بن باديس الصنهاجي في زفاف ابنته من زراب وأوان ومن أقمشة ومال ومصوغ وقد بلغ كل ذلك عشرة أحمال ، وما أنفقه على وفاة أمه التي صنع لها تابوتا مساميره من ذهب ومحلى بالجواهر وما بلغ إليه النهوض العلمي من الرقي وبلغ الطب ذروته مع أحمد بن الجزار وقطع البحر عابرا أروبا لغزوها . يذكر ابن رشيق أن عدد الشعراء بالقيروان بلغ المائة حسب ما ذكره في زمانه . وبالرغم من كل ذلك فإن الطب الذي انطلق من القيروان سوف نجده في انحطاط في آخر هذه الدولة . ذلك أن الوضع الاجتماعي قد تغير وأن سخاء الملوك قد اتجه نحو البذخ والأيادي البيضاء صارت تمتد إلى الشعراء . وهاجر كثير من العلماء إلى صقلية والأندلس إثر زحف بني هلال وسليم ورياح وغيرهم وكانوا قرابة مائتي ألف 000 ، 200 نسمة من الأعراب السذج الذين لا يعرفون للمدينة واقعا فعاثوا في أفريقية نهبوا القيروان سنة ( 449 / 1057 ) وأفتكوا أراضي الزراعة من أصحابها
الطب العربي التونسي في عشرة قرون — صفحة 17 | أحمد بن ميلاد