الجزء الأول
تمهيد
ان الاقتراض اللغويّ قضيّة لغوية وحضاريّة على قدر كبير من الأهمية . ولقد شغلت منذ القديم المؤلفين العرب والمسلمين من لغويّين وفقهاء ومفسّرين وعلماء تطبيقيين ، وهي لا تزال تشغل المحدثين منذ بداية حركة النهضة العلمية والثقافية العربية الحديثة ، في النصف الأول من القرن الميلادي الماضي ، وقد ازداد الاهتمام بها في هذا القرن سواء عند الأفراد من الباحثين والعلماء الناظرين في الاصطلاحات العلمية الحديثة ، أو عند الجماعات في المؤسسات العلمية واللغوية العربية المختصة ، وخاصة منها مجامع اللغة العربية .
ولقد اختلفت المواقف من هذه القضية وتباينت - منذ القديم ، وحتى يومنا الحاضر - اختلافا وتباينا كبيرين . ويمكن تقسيم تلك المواقف إلى أربع نزعات كبيرة :
النزعة الأولى نزعة « موضوعيّة » ، تقر بوجود الاقتراض اللغوي في اللغة العربية بشتّى مظاهره الصرفية والنحوية والصوتية والدلاليّة ، لكن أصحابها لم يتجاوزوا الوصف والتنظير المجردين . ويمثل هذه النزعة علماء اللغة خاصّة ، مثل الخليل بن أحمد ( ت .
175 ه / 790 م ) وسيبويه ( ت . 177 ه / 792 م ) وابن جني ( ت . 392 ه / 1002 م ) .
وقد تطورت هذه النزعة تطّورا إيجابيّا من الوصف والتنظير المجردين إلى التحليل والتدوين ، وخاصة عند الجواليقي ( ت . 540 ه / 1145 م ) في كتابه « المعرّب من الكلام الأعجمي » والسيوطي ( ت . 911 ه / 1505 م ) في « المهذّب فيما وقع في القرآن من المعرّب » والخفاجي ( ت . 1069 ه / 1658 م ) في كتابه « شفاء الغليل فيما في كلام العرب من الدخيل » .
والنزعة الثانية نزعة رافضة لمبدإ الاقتراض اللغويّ في اللغة العربية ، سواء من حيث وجوده فيها أو من حيث الأخذ به واعتباره وسيلة من وسائل ترقية اللغة ومباحثها . ويمثل