المصطلحات . وقد كان من مظاهر صفويتهم اتخاذهم موقفا مبدئيّا رافضا من الاقتراض اللغوي فحاولوا جهدهم تجنبه والاستعاضة عنه بالترجمة التقريبية واحياء القديم من الألفاظ العربية وتوليد المصطلحات المحدثة باستعمال بعض الوسائل - استعمالا محدودا - مثل النحت والاشتقاق . وقد أثّر هذا الموقف في منزلة المصطلح الأعجمي المقترض في ترجمتهم فكانت منزلة ضعيفة جدّا . وهذه المنزلة الضعيفة التي يتزلها المصطلح الأعجمي المقترض عندهم - نتيجة موقفهم منه - تدل على أنهم لا يؤمنون بالاقتراض اللغوي وسيلة من وسائل الخلق المعجمي والتوليد اللغوي ، وهو موقف محمود الغاية نبيل المقصد . إلّا أنّه لا يخلو في الحقيقة من العداء لتقدم اللغة ، لأن كلّ لغات العالم - مهما تكن منعزلة - لا بد لها من الاقتراض من اللغات الأخرى ، لسدّ الثغرات والفراغات التي فيها . وقد أثبت مؤلفونا القدماء الذين اهتممنا بهم في هذا البحث صحّة هذا المبدإ اللغوي ، ولكن علماءنا القدماء كانوا ينظرون إلى اللغة نظرة موضوعية لا أثر للمذهبية الدينية أو القومية فيها ، وكان همهم الكبير التقدم بالاختصاص العلمي الذي يمارسونه ، معتبرين اللغة وسيلة لترقية العلم وليست غاية في حدّ ذاتها ، أما علماؤنا المحدثون فيختلفون عن القدماء اختلافا كبيرا جدّا لأنهم جعلوا من العلم واللغة غايتين معا ، فانحصروا في وسائل اللغة الخاصة لا يتجاوزونها الا قليلا في عملية الخلق المعجمي والتوليد اللغوي . وقد دفعهم ذلك إلى تعنّت وتعسّف كبيرين أوقعاهم في سلفية لغوية كثيرا ما تضرّ بتقدم اللغة ، لأنها « تستطيع أن تنزع في بعض مظاهرها المتطرفة إلى نوع من التوقيف اللغوي الذي يذكرنا برأي ابن فارس القائل بأنّه ليس لنا أن نزيد شيئا على ما قاله السلف الصالح . وهذا يعني أن الثقافة العربية ليست في حاجة إلى التجديد والتجدّد بل عليها أن تستمد غذاءها من نفسها كي تفوز من جديد بسليقة لغوية كثيرا ما تنحصر في ذهن بعضهم في وضع لغة بدوية فصيحة يمكن أن نرتقي منها إلى لغة مثالية أنقى منها وأفصح » « 145 » .
هامش
( 145 ) محمد رشاد الحمزاوي : مكانة المخصص ، ص ص 8 - 9 .