إلى تسكينه بالماء البارد أو خلط يابس شديد اليبس كالبلغم الجصى والسوداء الإحتراقى فيستدعى الماء ليستنقع فيه وينحلّ به ؛ لأن الأشياء الشديدة اليبس لا يمكن بأن تنحل إلّا برطوبة غامرة لها تعاونها الحرارة وأما الحرارة المفرطة فتجففها وتزيدها صلابة ويبسا فلما شرب الماء اختلط به بعضه فغلظ وبرد فلم يلطف ولم ينفذ إلى الكبد لغلظه وبقي الكبد مفتقرا إلى الماء حيث لم ينفذ إليه الماء قدر ما يكفيه وذلك الخلط أيضا فيستدعى الماء بحاله لينحلّ به فإن الأغذية التي ليست موصوفة باليبس لا يمكن أن تنحلّ بشربة أو شربتين من الماء فكيف الخلط الذي في غاية اليبس والغلظ ! وذلك لأن الماء البارد ينفذ سريعا في الماساريقا قبل انحلال الخلط فتشتاق الطبيعة إليه ثانيا وثالثا فيدوم العطش إلى أن ينحلّ الخلط عن آخره ، ويسمى هذا : العطش الكاذب ؛ لأنه ليس عن عوز الرطوبة وافتقار الأعضاء إلى الماء وأما ما كان عن احتياج البدن إلى الماء فلا يسمى كاذبا .
وعلامته : أن لا يسكن بشرب الماء البتة وإنما يسكن بالصبر عليه ؛ بصعوبة لأن حرارة الأحشاء تقوى وتشتدّ عند ذلك أي : عند الصبر على العطش فتقبل على تذويب ذلك الخلط وتلطيفه وترقيقه وتروية الأعضاء به إن كان مما يصلح لذلك كالبلغم الغليظ الذي لا يكون له كيفية رديئة والّا يقبل على تلطيفه وتحليله فيسكن العطش بانتفاء سببه .
وقد قيل : إن الثوم يسكن العطش قائله « ديسقوريدوس » . وقال « ابن ماسويه » :
خاصية الثوم قطع العطش العارض من البلغم المالح المتولد في المعدة لتحليله إياه .
وقال « سفيان الأندلسي » : إنه قاطع للعطش البلغمى المتولد عن سدد في الماساريقا أو بلغم لزج أو مالح متصل بجرم المعدة فإن كان أي : هذا القول حقا ، وكيف لا يكون ! وصريح العقل شاهد على أن شفاء هذا العطش إنما يكون بما يقطع تلك المادة الغليظة ويذيبها ويحللها والثوم كذلك ، والتجربة وتكرر الاستعمال معدّل « 1 » له فلمثل هذا العطش بهذا السبب بعينه وهذا ظاهر مع أن من قال إنه يسكن العطش خصّصه بهذا النوع ولم يترك الكلام على اطلاقه حتى يتحمل المصنف لنفسه التعب والمشقة . وقال الطبري : الثوم يسكن عطش من في معدته
هامش
( 1 ) . أي : مصحّح ، كذا في « كشف الاشكالات » .