ولمشاركة القلب فم المعدة وتأذيه من سوء المزاج البارد المفرط . وقيل : لأن بدنه مفتقر إلى الغذاء ولضعف القوى لا يمكن له أن يستوفى الغذاء فيزداد الجوع في البدن ويحمى القلب وتشتعل فيه الحرارة وترتقى أبخرة حارة إلى الدماغ ويحدث الغشى ، فإن من أخر غذاءه عن وقته دفعات كثيرة أو ردّ غذاؤه إلى الأطعمة اللطيفة وقد اعتاد الغليظة ، اصابه الغشى لما يحمى قلبه بسبب انقطاع الغذاء عنه . والوجه الأول أولى ؛ لأن الغشى إنما يحدث في هذه العلة وقت انتهائها عند انطفاء الحرارة وبرد القلب ولو كان حدوثه من حرارة القلب العارضة من الجوع لكان في ابتداء العلة وليس كذلك . ويؤيده أيضا ما ذكره « جالينوس » في « الصناعة الصغيرة » : إن الغشى الحادث في بوليموس للبرد وانطفاء الحرارة الغريزية لعدم الغذاء ونقصان الرطوبة الغريزية بفرط التحلل لما أوجبته الحرارة العارضة في البدن من الجوع .
وكثيرا ما يعرض هذا للمسافرين في البرد المصرودين أي : الذين أصابهم البرد الشديد الذين تكثفت معدتهم من البرد الشديد بحيث بطلت قوة حسها وجذبها خاصة إذا كانوا قد جاعوا قبل ذلك وقللوا الغذاء فاستولى البرد عليهم ، لأن الحرارة عند قلة الغذاء تعطف على الرطوبة الغريزية فتفنيها وتفنى بفنائها الحرارة وحينئذ يكون تأثير البرد الخارجي في البدن أشد وأقوى .
وعلاجه : أما في حال الغشى فرشّ الماء البارد على الوجه وشم الطيوب وشدّ الأطراف ودلكها ونخسها بالإبر ونتف الشعر لتنبيه الطبيعة بسبب الأذى كالنائم وتضميد المعدة بالمقويات المتخذة من الأدويه القلبية مثل السك والرامك والورد والسنبل والمصطكي والعود وأما عند الإفاقة فإطعام الخبز المبلول بالشراب الممزوج بماء الورد « 1 » وماء لسان الثور وماء البهرامج أو بماء التفاح ليكون نفوذه إلى الأعضاء الرئيسية بسرعة وليكون قبول القوة الجاذبة التي في الأعضاء له أشدّ لعطريته فتقوى القوة ويتغذى الروح والبدن في أقل ما يمكن والأغذية السريعة الأنهضام والنفوذ كالمدقوقات المعمولة من الفراريج مع الحمص والكمون والدارصينى والعود المجروش لينفذ إلى الأعضاء ويغذوها
هامش
( 1 ) . لما قيل أن الماء ورد [ ماء الورد ] لا عديل له في علل المعدة وفساد هضمه وخصوصا إذا كان مسخّنا فإنه يحفظ القلب والدماغ والكبد والمعدة عن الكيفية الردية السمية التي للغذاء الفاسد فلا تغفل عنه في عللها .