تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني ) — صفحة 625

مساهمون:

ص٦٢٥
وقد يجتمع مثل هذين الخلطين المختلفين في القوة أو أكثر منهما في بدن واحد فيكون واحد في فم المعدة وآخر في قعرها يطفو في الأوقات على فمها ؛ لأن الشهوة لا تكون إلّا به وآخر في الدماغ يترشح منه إليه . وقد استدل « أبو ماهر » على ذلك بأن امرأة كانت بها دبيلة في معدتها وكانت تشتهى أكل الزرنيخ وتمنع من ذلك بجهد فلما انفجرت الدبيلة كانت تقذف أشياءا من أخلاط تشبه الزرنيخ الأحمر والأصفر في اللون والرائحة وأيضا أصحاب السوداء الفاسدة يشتهون تحسى الخل والأشياء الحامضة فإذا قذفوا قذفوا خلطا حامضا يضرس الأسنان . والمحققون لا يستحسنون هذا الرأي ؛ لأن الشهوة والنفرة من أفعال الطبيعة لا الخلط الفاسد والطبيعة من شأنها الاشتياق إلى ما يضاد الغالب على البدن وإن كانت في غاية الضعف . قال « الشيخ » : إن الميل أي : ميل الطبيعة إلى ما يوافق المزاج الغريب مما لا أصل له . والفرق بينهما أن التي تكون بالمشاكلة لا تكون الصحة معها محفوظة لاستيلاء المرض على الطبيعة بل تتغير باستعمال تلك الأشياء المخالفة للطبيعة ولا تدوم لأنها تزيد في المادة المفسدة وفي ضعف الطبيعة والتي تكون من طلب الطبيعة لدفع الأذية تكون الصحة معها باقية لقوة الطبيعة واستيلائها على المرض . وهذه العلة أكثر ما تعرض للحوامل في ابتداء الحمل إلى الشهر الثالث لاجتماع الفضول الطمثية غير المحتاج إليها لصغر الجنين في المعدة ، فإن دم الطمث فضل أغذية الطبيعة لغذاء الجنين ويحتبس بالكلية في أول التخلق وإن كان الجنين لا يحتاج إلى جميعه ؛ لأنه لو انتفض شئ منه وانضبط شئ ، لكان المنضبط ينزلق بالمنتفض فلا ينضبط وكذلك الجنين ينزلق به أيضا فاحتيج إلى أن يحتبس الكل ويصير أجوده غذاءا للجنين وما هو دون ذلك يرتفع إلى الثدي وما هو ردئ يبقى بدن المرأة ليعين على انزلاق الجنين عند الولادة فينصبّ منه شئ إلى المعدة وتجتمع منه بلّة ورطوبة سيّالة فيها تشتاق الطبيعة إلى شئ منشّف لها ولا يزال كذلك إلى الشهر الرابع حتى إذا كبر الجنين واغتذى بأكثر ذلك الدم ، بطلت العلة ؛ لأنه تنجذب معه تلك الفضلة الرديئة فتقلّ في بدن الأم مع أن كثيرا منها يستفرغ بالقىء وتنضج الطبيعة ما بقي على طول الأيام لما يقل الطعام حينئذ لما يعرض لها
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني ) — صفحة 625 | مؤسسه احياء طب طبيعى / نجيب الدين السمرقندي