وهو بارد رطب أقول البلغم في الفضيلة بعد الدم وقبل غيره من الاخلاط لما مرّ والدليل على أنه بارد رطب انه متى كثر في البدن ولّد عللا باردة رطبة شفاءها بالحار اليابس ويكثر تولّده في الأمزجة والأسنان والأوقات الباردة الرطبة والأغذية التي تولّده باردة رطبة قال المؤلف وفائدته ان يستحيل دما إذا فقد البدن الغذاء وان يرطب الأعضاء فلا يجففها الحركة وان يدخل في تغذية مثل الدماغ أقول تقرير الفائدة الأولى ان البلغم يصلح لان يصير دما لأنه استوفى بعض النضج المشروط للصورة الدموية وهو قابل لكمال النضج فهو اذن صالح لتغذية جميع البدن بواسطة صيرورته دما ولما كان كذلك اقتضت الحكمة الإلهية ان يكون البلغم ذخيرة موزّعة على الأعضاء كالدم حتى إذا فقد البدن الغذاء لعوزه أو لسبب آخر كالسدة المانعة من وصول المدد من الكبد إلى الأعضاء أقبلت الحرارة الغريزية عليه فانضجته وغذّى البدن به وهذه الفائدة من خصائص البلغم لان الصفراء والسوداء لا يصلح شئ منهما لان يصير دما لأنه قد جاوز كلواحد منهما نضج الدم فلا يمكن ان ترجعا إلى الصورة الدموية واعتبر ذلك بالطعام القاصر عن النضج المعهود والمجاوز عنه إلى حد الاحتراق فإنه يمكن بلوغ الأول إلى النضج المعهودة لا يمكن رجوع الثاني إلى ذلك وتقرير الفائدة الثانية ان الحركة تجفف الأعضاء والمفاصل لما فيها من التسخين فاقتضت الحكمة الإلهية ان يبلّ البلغم الأعضاء والمفاصل فلا يعرض لها الجفاف وتقرير الفائدة الثالثة ان من الأعضاء ما يجب ان يكون غذاءه وما مخلوطا بالبلغم على قسط معلوم لكون ذلك العضو بلغمى المزاج كالدماغ فاقتضت الحكمة الإلهية ان يدخل البلغم في غذائه وذكر المسيحي فائدة أخرى وهي ان يعطى البلغم الدم لزوجة والتصاقا بالأعضاء
[ البلغم الطبيعي وغير الطبيعي ]
قال المؤلف والطبيعي منه ما قارب الاستحالة إلى الدموية وغير الطبيعي اما من جهة الطعم كالمالح ويميل إلى الحرارة واليبس الحامض ويميل إلى البرودة واليبس والسيخ وهو خالص البرد كثير الفجاجة والعضض ويميل إلى البرودة واليبس واما من جهة القوام كالرقيق جدا المائي والغليظ جدا الجصى والمختلف القوام المخاطى أقول البلغم اما طبيعي أو غير طبيعي اما الطبيعي فهو الذي قارب الاستحالة إلى الدموية لأنه دم غير تام النضج انهضم نصف انهضامه فلذلك لم تجعل الطبيعة له مفرغة كما جعلت للصفراء والسوداء إذ يحتاج اليه الأعضاء كلها ليصير دما عند الاحتياج فاجرى في مجارى الدم