واختلف الأولون في حراراتي الصبي والشباب ، أيهما أشد ؟ والحق ما قاله جالينوس ، وهو أن الحرارة فيهما واحدة « 1 » ، لكنها في الصبي فاشية في جسم رطب ، فتكون كحرارة ماء الحمّام . وفي الشباب فاشية في جسم يابس ، فتكون كحرارة أرض الحمّام . . وقد استقصينا الكلام في مذاهبهم وحججهم في ( المباحث القانونية ) فليرجع إليه « * * » .
واختلفوا أيضا في الحرارة الغريزية . فقيل هي مزاج الروح ، وقيل هي مزاج البدن كله ، وقيل هي الحرارة النارية العنصرية ، وقيل إنها من نوع الغريبة - لكنها إن كانت معتدلة كانت غريزية وإذا أفرطت صارت غريبة - وقيل الحرارة واحدة ، لكنها « 2 » بالنسبة إلى فعلها في مادة الغذاء بالإنضاج والهضم وغير ذلك ، أو إلى فعلها في الفصول « 3 » بالانضجاج والدفع ، تسمى غريزية . . وبالنسبة إلى فعلها في « 4 » المادة عفنا وفسادا تسمى غريبة .
وهذه الأقوال كلها فاسدة . . أما الأول والثاني ، فلأن « 5 » الحرارة الغريزية كلما ازدادت قوة وشدة ، ازدادت الأفعال الطبيعية قوة وجودة . ويعرف ذلك بحال الأسنان ، وأوقات السنة ، ومزاج « 6 » البدن ، والروح ليسا كذلك ، فإن كل واحد منهما إذا ازدادت « 7 » سخونته ، أثر ضررا . وأما الثالث ، فلأن آثار الحرارة النارية ، مباينة لآثار الحرارة الغريزية « 8 » ، ويلزم ذلك تنافيهما بالحقيقة « 9 » . وأما الرابع ، فإن الحرارة الغريزية عند الإفراط إن تغيرت حقيقتها ، لم تكن الغريبة من نوعها ، وإلا لم يكن فعلها مخالفا لما « * » كان أولا في نوعه ، بل قد يشتد . وأما الخامس ، فإن الحرارة الواحدة يستحيل أن يصدر عنها في المادة الواحدة أفعالا « 10 » متنافية ، فمحال أن يصدر عنها عفن الفضول ، وإنضاجها وإصلاحها . والحق أن هذه الحرارة « + * * » مخالفة لغيرها من الحرارات بالحقيقة « 11 » ، وأن اسم « 12 » الحرارة يقال عليها وعلى غيرها ، باشتراك الاسم .
هامش
( 1 ) ت : واحد .
( * * ) كتاب ( المباحث القانونية ) المشار إليه هنا ، هو شرح ابن النفيس على كتاب ( القانون ) لابن سينا .
( 2 ) - د .
( 3 ) ت ، د : الفصول .
( 4 ) ت : من .
( 5 ) ك : فإن .
( 6 ) ت : ومزاجا .
( 7 ) ت : زادت .
( 8 ) ت : الغريبة .
( 9 ) ت : في الحقيقة .
( * ) هنا يضطرب ترتيب أوراق المخطوطة ك ، ولا نجد الورقة التالية في موضعها ، بل بعد الورقة الرابعة من المخطوطة .
( 10 ) ت : أفعال .
( + * * ) يقصد : الحرارة الغريزية .
( 11 ) ت : الخمسة .
( 12 ) - د .