ولا يعنى ذلك أن العلاء يعتمد بالكليّة على الاستدلال ، والأدوات المنطقيّة في التحليل ؛ فقد رأيناه في مواضع أخرى - عديدة - يعنى بالتجريب عناية كبيرة . ابتداء من أولى خطوات المنهج التجريبىّ ، أعنى الملاحظة العلميّة الدقيقة . .
ولسوف نرى أمثلة كثيرة على ملاحظاته تلك ، بين ثنايا هذا الجزء الثلاثين فمن ذلك ما نراه في الفصل الأول من مقالة الورد حيث يقول : حدوث رائحة الورد ، بالتبخّر ، ولذلك فإن الوردة إذا أكثر من استنشاق رائحتها ، ذبلت بسرعة ونقص وزنها ، وما ذلك إلا لتصعّد كثير من مائيّتها . وقوله في مقالة الياقوت في معرض الرد على من قال إنّ الياقوت من مائيّة منعقدة : المشهور أنّ جوهر الياقوت ، من مائيّة قد اشتدّ جمودها بالبرد ، وهذا لا يصح ، فإن ما يتجمّد بالبرد يحله الحرّ ، فكان يجب أن تقوى النار - مع قوّتها - على إذابة الياقوت ، وليس كذلك . . ولذلك فإنّ مذهبنا . . إلخ .
وهو يورد في آخر الفصل الثالث من مقالة الياسمين ملاحظة مهمّة عن المصريين - وهو مولع بتسجيل الملاحظات عنهم - يقول : والإكثار من شمّ الياسمين ، يصفّر اللون . وهذا من جملة أسباب صفرة ألوان المصريين ، فإنّ الياسمين في بلادهم كثير جدّا .
وهذه ، ملاحظة شاهد عيان ؛ من شأنها أن تثير الحسرة في نفوس المصريين المعاصرين .
وتتوالى الملاحظات الذكيّة التي يوردها العلاء في هذا الجزء ، وحسبنا الإشارة إلى بعضها ، مثل : معاودة الحمّى لمن شربوا ماء الهندباء ( الفصل السادس من مقالة الهندباء ) تفسير كون الهليلج عاقلا للبطن أحيانا ومسهلا أحيانا أخرى ( الفصل السادس من المقالة ) المقارنة الدقيقة بين الهليون والهندباء ( الفصل الثاني من
الشامل في الصناعة الطبية — صفحة الجزء الأول 6
مساهمون: ابن النفيس
صالجزء الأول ٦