البيطار ما دام قد نقل عن سابقيه ، فلا بأس في أن ينقل هو عنه . . بيد أن ابن البيطار كان أمينا ، وأرجع كلّ ما ليس له إلى صاحبه ، حتى إنّ ( الجامع ) اشتمل على نقول بلغت ما يقرب من تسعة وتسعين بالمائة منه ! ولم يقلّل ذلك من أهمية الكتاب ولا من مكانة كاتبه . فما كان يضير العلاء لو سار على هذا النهج ، حتى لو كانت المصادر ذاتها التي نقل عنها ابن البيطار متوفّرة تحت يديه ! خاصة أنه تابع ابن البيطار في بعض الأحيان ، متابعة تامة ، ونقل عنه نقلا يكاد يكون حرفيّا .
ومع ذلك ، ومن الجهة الأخرى ( الإبداعيّة لا الاتباعيّة ) امتلأت الأجزاء الصيدلانيّة من الشامل بتحليلات علميّة - طبيّة ومنطقيّة - غير مسبوقة ، لا نكاد نجد نظيرا لها في بقيّة الكتابات العربيّة في هذا المجال . وقد أشرنا في مقدمات الأجزاء - التسعة والعشرين - السابقة ، إلى نماذج من هذه التحليلات التي لم يخل منها هذا الجزء الذي بين أيدينا . فمن ذلك ما نراه من اهتمام وعناية بالغة بالاستدلال على الخواص الدوائيّة للنبات ، من طبيعته ومكوّناته ؛ وهو ما يظهر في الفصل الثاني من مقالة الوجّ حيث يقول العلاء عن هذا الدواء ، إنّه : لا بدّ وأن يكون يابسا ، ضرورة أنه مع كثرة أرضيّته ، فيه ناريّة موجبة للحرافة فلذلك لا بدّ وأن يكون مزاج هذا الدواء حارّا يابسا . وإذ جوهره فيه ناريّة محدثة للحرافة ، وأرضيّة محترقة مرّة محدثة لمرارة الطعم ، فبالضرورة لا بدّ « 1 » وأن يكون مجفّفا . . وعلى هذا النحو يستمرّ العلاء في تبيان خواص هذا الدّواء ، بطريق الاستدلال من طبيعته على أفعاله . وهو نصّ طويل ، يمكن أن يراجع في موضعه .
هامش
( 1 ) ح ، ن : لا بد .