اختلاف الفضلاء في طبيعته دليل على قربه من الاعتدال . وكذلك الحال ، في جميع ما يقع في طبيعته خلاف بين الأفاضل من الأطباء .
وأمّا أنّ الخلّ مركّب من بارد وحارّ ، فيدلّ على ذلك أمران :
أحدهما : أنّ طعم الخلّ مركّب مما « 1 » يكون بالبرد ، وهو القبض والحمض . وهما إنما يكونان من الحرارة والحدّة والحرافة ، وإنما يمكن ذلك بأن يكون فيه « 2 » كلّ واحد من الأمرين ، فيكون فيه جزء بارد ، وهو القابض والحامض . وجزء حارّ ، وهو الحادّ الحرّيف .
وثانيهما « 3 » : أنّ أفعال الخلّ بعضها إنما يصدر « 4 » عن البرودة ، كالرّدع وقمع الصفراء ونحو ذلك ، وبعضها إنما يصدر عن الحرارة . ولو لم يكن في الخلّ حرارة وبرودة ، لما أمكن ذلك .
واجتماع هذه الحرارة والبرودة في جزء واحد محال « 5 » ، فلا بد وأن يكون ذلك في جزءين منه ، مختلفين ، فيكون لا محالة مركّبا منهما ؛ فلذلك الخلّ لا بد وأن يكون مركّبا من جزء حارّ ، وجزء بارد .
وأمّا أنّ الجزء البارد في الخلّ الحادث من العصير أولا أغلب ، والجزء الحار في الخلّ الحادث منه « 6 » بتوسّط استحالته خمرا أغلب ؛ فيدلّ على ذلك أمور :
أحدها : أنّ طعم الخلّ الحادث عن العصير أولا ، يغلب فيه القبض والحموضة على الحدّة والحرافة . ولو كان الجزء الحارّ في هذا الخلّ غالبا ، لكان ظهور آثاره وأعراضه أكثر ، لأنّ الحرارة من شأنها أن تكون أفعالها أظهر وأشد « 7 » . وطعم الخلّ الحادث عن العصير بعد أن صار خمرا ، تغلب « 8 » فيه الحدّة والحرافة ، ويقلّ ظهور القبض فيه . ولو كان الجزء البارد فيه غالبا ، لكان الأمر بالعكس ، كما في الخلّ الحادث عن العصير ابتداء .
وثانيها : أنّ الأفعال التابعة للبرد في الخلّ الحادث عن العصير ابتداء ، أظهر وأشدّ من الأفعال التابعة للحرّ . والخلّ الحادث عن الخمر بعكس ذلك ، وذلك ظاهر لمن اعتنى بتأمل أفعالها .
هامش
( 1 ) العبارة غير واضحة في الأصول الخطّية ، وقد تقرا : ما انما !
( 2 ) ه ، ن : في .
( 3 ) ه ، ن : وثانيها .
( 4 ) : . تصدر .
( 5 ) ه ، ن : هو محال .
( 6 ) ه ، ن : الحادث في الخلّ منه .
( 7 ) ه ، ن : أشد وأظهر .
( 8 ) غ : يغلب .