والأعشى يفتخر بالكرم مع أن أباه كان يلقب « بقتيل الجوع » وقد هجاه بذلك أحد أبناء عمه فقال :
أبوك ، قتيل الجوع قيس بن جندل * وخالك عبد من « ضماعة » راضع
ومن البخل الشديد الذي عابه عرب الجاهلية إلى جانب الجوع ، هو أن يمنع الرجل كلبه عن النباح . كقول زياد الأعجم يهجو بني عجل :
وتكعم كلب الحي من خشية القرى * وقدرك كالعذراء من دونها ستر « 1 »
وقال آخر :
نزلنا بعمار فأشلى كلابه * علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل
فقلت لأصحابي : أسر إليهم * إذا اليوم أم يوم القيامة أطول ؟
على حين مدحوا من يبرز كلبه أو من تأنس كلابه استقبال الضيف وتعتاده ، وأبيات حسان بن ثابت معروفة في هذا المعنى حيث يقول :
أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل « 2 »
وهكذا علمتهم الحياة وعودتهم البادية أن يكونوا كرماء ، يفتحون أبوابهم أمام كل طارق ، ويوقدون نارهم ليهتدي بها الركبان والتائهون في ظلمة الصحراء . لذلك فقد مدحوا أصحاب النيران المضيئة وذمّوا أصحاب الإخماد ، قال الشاعر :
له نار تشب بكل ريح * إذا الظلماء جلّلت اليفاعا
وما أن كان أكثرهم سواما * ولكن كان أرحبهم ذراعا « 3 »
مدحهم لنار الكرماء وقدورهم :
وامتدحوا النار الشقراء لأن حطبها يكون يابسا وضوءها أشد حمرة قال الشاعر :
هامش
( 1 ) كعم البعير أو الكلب : شد فمه لئلا يعض أو يأكل . وهو كلب لم يعتد نزول الضيفان .
( 2 ) البخلاء للجاحظ : ص 238 ط دار المعارف بمصر .
( 3 ) البخلاء : ص 217 ط ، بيروت ( لبنان ) .