وقال معن بن أوس « 1 » يذكر قدر سعيد بن العاص « 2 » مادحا كرمه ، كما يصف الموقدين للنار تحتها والطعام الذي ينضج في جوفها وصفا دقيقا مثيرا ومحركا لشهوة القرم :
أخو شتوات لا ترال قدوره * يحلّ على أرجائها ثم يرحل
إذا ما امتطاها الموقدون رأيتها * لوشك قراها وهي بالجزل تشعل « 3 »
سمعت لها لغطا إذا ما تغطمطت * كهدر الجمال رزّ ما حين تجفل « 4 »
ترى البازل الكوماء فيها بأسرها * مقبضة في قعرها ما تحلحل
كأن الكهول الشمط في حجراتها * تغطرش في تيارها حين يجفل
إذا التطمت أمواجها فكأنها * عوائذ دهم في المحلة قيّل
إذا احتدمت أمواجها فكأنما * يزعزها من شدة الغلي أفكل « 5 »
تظل رواسيها ركودا مقيمة * لمن نابه فيها معاش ومأكل « 6 »
وقال آخر مبالغا في سعة قدره بحيث انها تتسع لطبخ فيل أن يقطع :
وقدر كجوف الليل أحمشت غليها * ترى الفيل فيها طافيا لم يفصل
ولهم في وصف القدور مناقضات ونقائض كثيرة ، فمما قال الشعراء المتأخرون قول بن
هامش
( 1 ) معن بن أوس : من فحول الشعراء المخضرمين ، عاش أكثر حياته في الاسلام ، وشعره رصين جيد الصنعة ، وهو كثير الحكمة . مدح سراة المدينة ومنهم سعيد بن العاص . والقصيدة التي قالها هنا في مدح سعيد مطلعها :إليك سعيد الخير جابت مطيتي * فروج الفيافي وهي هوجاء عيهلوله ديوان شعر طبع في لايبزك ثم في مصر .
( 2 ) سعيد بن العاص : من سراة المدينة المشهورين ، وهو سعيد بن سعيد بن العاص بن أمية ، عهد له بولاية الكوفة في خلافة عثمان . وفي خلافة معاوية ولاه الحرمين . وظل على هذه الولاية إلى أن مات سنة 59 ه . وأحاديث كرمه وتخرقه في الثناء كثيرة نجد أطرافا منها عند البلاذري وأبي الفرج وابن عبد ربه : ( انظر أنساب الأشراف :
القسم الثاني من الجزء الرابع ، ص 130 - 236 ، الأغاني 1 : 32 - العقد الفريد 1 - 344 - 347 ) . ط .
لجنة التأليف .
( 3 ) الجزل : الحطب اليابس أو الغليظ العظيم منه .
( 4 ) تغطمطت : الغطمطة : اضطراب موج البحر ، وغليان القدر - تغطرش : غطرش الليل بصره : أظلم عليه .
( 5 ) أفكل : الأفكل والمفكول : المصاب بالرعدة من خوف أو برد .
( 6 ) البخلاء : ص 202 و 224 . ط : دار المعارف .