محدود إلى مبدأ محدود . وعلى نظام محدود / / ، حتى يبلغ إلى غايته التي يقصدها ، وهو وجود المصنوع ، كذلك الحال في وجود الأمور الطبيعية ، ينتقل الكون فيها من مبدأ محدود ، إلى مبدأ محدود ؛ على نظام محدود ، حتى ينتهي إلى الغاية ، وهو وجود الشيء الطبيعي . إلا أن انتقال الصانع ، في الأمور الصناعية ، من شيء إلى شيء ، هو بالنظر العقلي « 57 » . والنظام .
الذي بين تلك الأشياء المحدودة ، التي تنتقل عليها للصنائع . هو شيء يدركه العقل بين تلك الأشياء . فإذا أدركه ، سلك عليه في الفعل ، وانتقل من واحد منها إلى الأخر ، حتى يبلغ إلى وجود مصنوعه ، وانتقاله بالنظر بالعكس من انتقاله بالفعل .
وذلك أن انتقاله بالنظر ، هو على طريق التحليل . وانتقاله بالعمل ، هو بطريق التركيب . مثال ذلك أن صانع البيت ، مثلا ، إنما يقع فكره ، أولا ، على السقف الذي هو الكنّ . ثم ، يقع بفكرته أن السقف لا يوجد ، إلا بوجود الحائط ؛ ثم ، يقع أيضا بفكرته أن الحائط لا يكون ، إلا بعد أساس له . فيبتدئ بالعمل من الأساس . ثم الحائط ، ثم السقف ، حتى يتمّ البيت الذي هو الموجود الصناعي . وهذا هو معنى ما قيل من أن الفكرة آخر العمل ، وأول العمل آخر الفكرة .
وأما انتقال الكون في الأمور الطبيعية ، فهو على ما جعل اللّه ، تعالى ، في طباعها من النظام والتلازم ، وبين تلك الأشياء المنتظمة التي ينتقل عليها الكون ؛ لا بأن الطبيعة تدرك ما تنتقل عليه من النظام ، بل ذلك النظام واللزوم ، هو في جواهر تلك الأشياء . ولذلك ، وجود الطبيعة أدلّ دليل على أن هاهنا عالما متقدما عليها ، سبحانه ، هو أفادها ذلك النظام ؛ إلا أن بين الفعلين فرقا .
وذلك أن في الأمور الصناعية ، الصانع ، هو الذي يباشر الفعل ، بنفسه ، في كل واحد من تلك الأشياء المنتظمة ، وينتقل بالفعل من واحد واحد منها إلى الآخر ، حتى تكمل مصنوعة .
وأما في الأمور الطبيعية ، فالأشياء الطبيعية ، هي التي تتحرّك من ذاتها بما جعل اللّه ، تعالى ، فيها من القوى الطبيعية ، بعد أن يفيدها مفيد مبدأ الحركة من خارج . ثم تنتقل الحركة إليها « 58 » من شيء إلى شيء ، على جهة اللزوم ، حتى تكمل ذلك الموجود الطبيعي .
والحكيم يشبه الطبيعة بالأشياء العجيبة ، التي يستنبطها العقل ، وهي الأشياء « 59 » التي تفيدها الصانع نظاما وتركيبا .
هامش
( 57 )Lectura incert .( 58 )Lectura incert .( 59 )Lectura incert .