كثيرا من الناس « 130 » يشربون شرابا كثيرا . فينفذ ذلك الشراب في أبدانهم سريعا جدا ، ويبلون كلّ ما يشربونه ، إلا اليسير في مدّة يسيرة .
وذلك أن العلّة في سرعة نفوذ ما ينفذه « 131 » من ذلك ، هو الملائمة في الكيفية ، وسرعة الانهضام ، ولطافة الشراب ، وسعة العروق ، وشدّة القوة الجاذبة . فلا تزال أعضاء الهضم تختطف هذا الشراب لملامته ، ورقته بعضها من بعض ، حتى تنتهي من المعدة إلى الكبد وإلى العرق المجدّب ، إلى الكلى ، إلى المثانة ، في زمان يسير . وليس يتعجّب ، عند الوقوف على هذه الأسباب ، من أن يكون الشراب في هذا ، أنفذ من الماء لكونه أشدّ ملاومة ، وألطف منه . وهذه هي الأشربة البيض الصافية ، فإنّ هذه الأشربة يسهل نفوذها . وأما الأشربة السوداء الكمدة ، فيعسر نفوذها ، ويبطئ بسبب غلظها .
قال وهذه شواهد قوية ، على ما قلناه ، في العروق الضوارب ، وهو أن الدم اللطيف الملائم أسهل انهضاما واتباعا لما يجذبه . وإذا كان في أفضية العروق الضوارب بخارا وهواء ودم لطيف ، لم تجتذب من الأخلاط المحتبسة في المعدة والأمعاء شيئا أصلا ، وكان ما يجتذب منها يسيرا جدا .
قلت هنا انقضت المعاني ، التي احتوى عليها هذا الكتاب ، وفي جميع ما قاله في هذه القوى وذلك أنه ابتدأ ، أولا ، فأنكر قول من / / يقول : « إنّ الاغتذاء يكون بالاتباع لما يتفرّغ ، وإنّ الاغتذاء إنما يكون بالنوع من الجذب الذي يكون من حجر المغنطيس للحديد . ثم إنه ، بآخرة ، أثبت أن الاغتذاء يكون بهذا النوع من الجذب وبالنوع الآخر » .
ثم قال إنّ المعدة إنما تجذب بالليف الذاهب طولا ، وتدفع بالليف الموضوع عرضا . فإنّ الازدراد يكون باللفين . وهذا النوع من الجذب ، ليس هو من نوع جذب حجر المغنطيس للحديد ، ولا من نوع الجذب الذي سببه امتناع وجود الفراغ ، أعني ، الخلاء .
وذلك أن هذا الجذب ، أعني ، جذب المعدة الجاذب فيه ، هو المتحرّك إلى المجذوب ؛ وفي المغنطيس المجذوب ، هو المتحرك إلى الجاذب . والأول بآلة ، وهذا بغير آلة .
ثم قال : إنّ هذه الأعضاء التي تجذب بالليف ، مرّة تجذب الشيء الذي دفعته ، حين لم تشتبه إذا اشتهته . وإنّ الأعضاء تخطف بعضها من بعض الغذاء ؛ وهذا الجذب ، هو أشبه بالجذب الذي يكون عن الإرادة منه بنوع جذب حجر المغنطيس ؛ فإنّ المغنطيس ليس
هامش
( 130 ) أكثر الناسB ,( 131 ) في سرعة نفوذ الشرابB ,