تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكليات في الطب — صفحة 442

مساهمون:

ص٤٤٢
لرداءة كيفيته يقبل التآكل عن أدنى لذع يكون في الأدوية التي تجففه لموضع رداءة الخلط الفاعل له . وذلك أنه إنما يكون عن السوداء غير الطبيعية وهي السوداء المحترقة التي إذا صبت على الأرض عرض لها نفاخات وغليان شبيه بما يعرض عن الخل ، وهذه إنما تقبل البرء أول أمرها . فأما إذا فرغ تكونها فإنها لا تقبل البرء . وذلك أن الأدوية التي وصفنا لا تفي بتحليلها ولا يمكن قطعها بالحديد لأنها تأخذ من البدن جزءا كبيرا فيه أعضاء شريفة من الشرايين والعصب ، فإن قطعت تلك الأعضاء لم يؤمن منها الهلاك على الجسم . وكذلك أيضا لا يمكن قلعها بالدواء الأكال لهذه العلة بعينها ، ولا أيضا متى حدث هذا الورم في عضو رئيس أمكن برؤه . 139 - فهذا هو القول العام في معالجة أصناف سوء المزاج المادي وغير المادي . وينبغي أن تعلم أن الأورام التي تكون في الأعضاء الرئيسة والحميات ، منها ما يقبل البرء من غير علاج أصلا بل الطبيعة كافية فيه ، وبهذا أمكن أن يتخلص كثير من جفاة الأمم من الأمراض الصعبة مثل البربر والعرب والأكراد وغير ذلك من سكان البراري . لكن إذا استعملت العلاجات الطبية في مثل هذه المواضع كانت سهلة على الطبيعة وسائقة إلى البرء في زمان يسير مع أمن في العاقبة ، فإن كثيرا ممن تخلصهم الطباع من الأمراض الصعبة يصيرون من ذلك إلى زمانات في أعضائهم كما اتفق لي إذ مرضت من حمى قوية كان بحرانها بورم في فخذي فزمنت بذلك قدمي . وهاهنا أيضا أمراض لا تفي الطبيعة بالتخلص منها إن لم تقترن إليها صناعة الطب . وهذا هو أشرف أفعال هذه الصناعة . وقد يتفق من هذه الأمراض ، أعني الحميات والأورام ، ما لا تفي الطبيعة ولا الصناعة بالتخلص منها ، لكن هذا عسى أن يكون أقليا وفي أمزجة ما . وهاهنا أيضا أمراض ما لا يمكن الطبيعة ولا الصناعة أن تخلص منها ، وذلك في الأكثر ، بل إن اتفق التخلص منها فبالعرض . لكن هذه الأنواع من الأمراض هي أقلية أيضا . كقروح الرئة وما أشبهها . وإذا كان هذا كما وصفنا فإذن غاية هذه الصناعة تتبع أفعالها في أكثر موضوعاتها . أي في أكثر الأمراض وفي أكثر أشخاص المرضى ، وذلك أيضا في أكثر الزمن . فالحال إذن في حصول غاية هذه الصناعة كالحال في حصول غايات سائر المهن والقوى . فعلى هذا ينبغي أن تفهم أن هذه الصناعات صناعة فاعلة .
الكليات في الطب — صفحة 442 | أبو الوليد محمد بن أحمد الأندلسي (ابن رشد) / أحمد فريد المزيدي