تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دعوة الأطباء — صفحة 72

مساهمون:

ص٧٢
فيه شيء كالناقة « 159 » يظن أن بكثرة الغناء يخصب ولا يعلم أن بقبول الأعضاء للغذاء والتصاقه يسمن لا بكثرته فهو كلما اكل وأكثر لم ينم ولم يزدد به ، وآخر يقرأ كثيرا ويفهم فهما رديا فهذا يجري مجرى المبطون الذي شأن غذائه ان يستحيل رديا فتضعف قواه وتثقل أعضاؤه والجهال في هذه الرتبة رجلان : واحد يعرف قدر رتبته فلا يتعدى طبقته لعلمه انه من المقصرين ولا يتعدى وصف البزور والسكنجبين . وآخر يزهو بجهله على غير علم كالوارم الذي يتظاهر بالشحم وهو لشدة ما يقاسيه في جهد :
وقد يلبس المرء خير الثياب * ومن دولها حالة مضنية كما يكتي خده حمرة * وعلته ورم في الرية « 160 »
ولهذا قال جالينوس : الجهل بالجهل جهل مضاعف « 161 » . وهب سلمنا له بالعلم ما ذا ينفعه بلا عمل ، فإنه يقال ليس شيء أهلك للمريض من طبيب يحسن القول ولا يحسن العمل ، فان صاحب العمل وان قصرّ به القول في مستقبل الامر فسيبين فضله عند الخبرة وعاقبة الامر . وصاحب القول وان أعجب ببديهته وحسن صفته لا تحمد عاقبته ، وان الطبيب الذي يعول في مداواة المرضى على تنميق الكلام وإقامة المعاذير يريد هلاك المريض من دون التدبير السديد كالذي يشرب السم اتكالا على ما عنده من الترياق . فقد بان حسن العلم لا يتم الا بالعمل . وإذا عرف المريض دواء مرضه عندما كان صحيحا ولم يتدلوى به لم يغنه علمه به ولم يجد له راحة ولا خفة وبالضد ثم التفت إلى تلميذه وقال : قد شغلنا عن لذتنا بنبذ من ذكره « 162 » . هات القدح فملأوا
هامش
( 159 ) الناقة : الذي في دور النقاهة من المرض ( 160 ) لا يرد ذكر هذين البيتين في نسختي الأحمدية والجلبي . ( 161 ) وفي الأمثال العربية : رجل لا يدري ولا يدري انه لا يدري . ( 162 ) في هذين السطرين اختلاف في اللفظ في جميع النسخ لا يخرج إلى اختلاف المعنى وقد أثبتنا ما رأيناه صوابا .
دعوة الأطباء — صفحة 72 | ابن بطلان ( ابن عبدون )