تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكتاب النافع في كيفية تعليم صناعة الطب — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥

الباب الخامس في كيفية تعليم جالينوس

ولما استكمل ابقراط تعليم صناعة الطب ، وكان نحو تعليمه الاغماض الالغاز ، ان جالينوس شرح ما دونه أبقراط باثبات الآراء الموضوعة فيه ببراهين وحجج ، وابطال الشبه ليتوقى ، وفرق فرق الآراء الرديئة ، وكشف الحق ليتبع ، وأبطل الباطل ليتوقى ، وفرق اجزاء المعنى الواحدة من معاني صناعة الطب في مواضع شتى ليخفى عمن لا يستحقه ، مثاله : قوله في المقالة الرابعة من كتاب الأدوية المفردة 1 ان ماء اللبن بارد رطب ، وقوله في المقالة الثانية من كتاب الأغذية 2 ان ماء اللبن حار جاف ، فإنه لما أراد استيفاء القول في ماء اللبن فرق وتكلم في كل موضع بما يليق من هذا المعنى . وإذا نظر في ذلك من الأدوية له ظن كلامه متناقضا من قبل ما بقي فيه من قوى ما في الدم من الاخلاط الموازية ، ويدل على كل واحد منها ما يجده عيانا يبرد ويرطب ويلطف الاخلاط ، ويلين البراز ، ويحدر البراز ويخرجه من المعا [ وظاهر ان تلطيفه وتليينه الطبع ، واحداره البراز ] هو المراد من القوة الحارة : الحادة التي فيه . وخليق أيضا ان تبريده عن فعل القوة الباردة الرطبة التي هي فيه . وخليق أيضا ان يكون قول جالينوس في كتاب الأغذية : حار حاد ، لما قاسه بما بقي من اجزاء البنية وهو الجزء الجبينى ، والجبن الدسم بما يأخذ من أفعالها . وان يكون قوله في كتاب الأدوية انه بارد رطب لما قاسه بما ظهر من افعاله ، فإنه استفرغ المواد يرطب ويبرد بطريق العرض ، لان المواد قد كانت قبله تسخن البدن وتجففه . ورأى جالينوس ان يتكلم في كل موضع بما يليق في ذلك الموضع . ويختص به بحيث تكلم فيما ينال البدن من اللبن ، قسمه إلى أجزائه الثلاثة : الماء والجبن والزبد ، واعطى قوة كل واحد منها على انفراده ، والقوة التي تحصل للبن من اجتماعها . وحين تعلم فيما ينال البدن من الأدوية ، اعطى ما يحدثه ماء اللبن في الأبدان ، أما لأنه إذا أحدر المواد ( برد المواد ) برد اللبن ورطبه بخروج المواد منه ، أولا لان في ماء اللبن قوة باردة مقترنة بالقوة الحادة ، ( * ) لا يبدو لهاتين الكلمتين معنى بهذا الاستطراد