والبلدان في وضعها من الفلك ، لا يحصل للطّبيب ، إلّا بعد وفور الحظّ من صناعة التّنجيم .
ولا بدّله في تعلّم التّنجيم من الهندسة ، إلّا انّه يكفيه منها القدر الّذى يقف على حاجته ، ويتوصّل من علم النّجوم إلى غرضه ، دون سائر العلوم الهندسيّة الّتى لا يكاد ينحصر كثرة وانبساطا وتنوّعا واتّساعا .
فأمّا العدد فلا حاجة بالطّبيب إليه ، اللّهم إلّا أن يقول قائل إنّ البحارين الكائنة في الأفراد ، أقوى من الكائنة في الأزواج .
فواجب على الطّبيب ان يعرف حال الفرد والزّوج ، والسّبب في هذا التّفاوت . فإن كان لا بدّ للطّبيب من العدد ، فله في معرفة هذا القدر كفاية وبلاغ دون الاستكثار والاستغراق .
وأمّا العلم الموسيقى فهو داخل في صناعة الطّبّ بوجه من الوجوه ، فقد حكى ثاون الإسكندراني عن بقراط انّ الفلاسفة المتقدّمين كانوا يشفون المرضى بالألحان ، ويضربون الآلة التي يسمّى اللورا وبالزّمر .
غير انّى أقول : انّ الطّبّ الّذى كان على هذا الوجه قد باد واضمحلّ ، إذ كان بقراط في جلالة قدره لم يعرفه ، وإنّما أحال به على القدماء قبله . فان اشتغلنا باستخراجه ، حصل بعد الأعمار والأدوار . فينبغي أن يكون كلامنا بحسب الطّبّ البقراطىّ الموجود عندنا .
مفتاح الطب ومنهاج الطلاب — صفحة 56
مساهمون: علي بن الحسين بن هندو
ص٥٦