فهذه حال الطّبيب في الجزء النّظرىّ من الفلسفة .
فأمّا الجزء العملي فمن أبين البيان أنّ الطّبيب لا يحتاج إلى علم السّياسات ، بل يكفيه اليسير من علم الاخلاق . لأنّ القدمآء قد بيّنوا أنّ الطّبيب يجب أن يكون طاهر النّفس من دون الأخلاق الفاسدة ، لتنطبع فيه حقائق هذا العلم ، ويستعمله على حدّ الصّواب .
وطهارة النّفس لا يحصل إلّا بعلم الأخلاق .
فهذا هو القدر الّذى به قوام الصّناعات الطّبّية من جملة أجزاء الفلسفة .
فأمّا المنطق الّذى هو آلة الفلسفة ، وهو علم صناعة القياس والبرهان ، فمعرفة الطّبيب له وغزارته فيه بل إحاطته واستغراقه لجميعه من أوجب الفرائض عليه ، لأنّ الطّبّ الحقيقي هو القياسىّ ، كما قدّمناه وبيّناه .
فلا يتحقّق شئ من جزئه النّظرىّ ولا جزئه العملي إلّا باستعمال الصّناعة المنطقيّة . ويظهر هذا كلّ الظهور من حدّها . فإنّ الفلاسفة أجمعوا على أنّ صناعة المنطق هي الّتى تميّز الصّدق من الكذب في الأقوال ، والحقّ من الباطل في الأمور ، والخطأ من الصّواب في الأعمال .
فهذا جميع ما يجب على الطّبيب تحصيله ، حتّى يستحقّ
مفتاح الطب ومنهاج الطلاب — صفحة 58
مساهمون: علي بن الحسين بن هندو
ص٥٨