وأسلس قبولا للأدب والأفعال الجميلة والمذاهب الجليلة في الصغر ، ولحاز « 1 » بذلك الفضيلة ونال المحبة والكرامة وبلغ غاية السعادة في الدنيا والآخرة ، ومن ترك فعل ذلك وخلا عن العناية أدّاه ذلك إلى عظيم النقص والخساسة ، ولعله يعرف فضيلة ذلك في وقت لا يمكنه تلافيه واستدراك ما فات منه فتحصل له الندامة التي هي ثمرة الخطأ .
وذلك أننا قد نرى من الناس من يعلم أن مذاهبه ردية ولا يخفى عليه الطريق المحمود ويعسر عليه النزوع إليه لتمكن العادة الردية المتقدمة فيهم ، فإذا حملوا أنفسهم على بعض تلك الحالات الجميلة تصنعا وحياء من الناس في الظاهر ، فإذا خلوا رجعوا إلى المذاهب المتمكنة بالعادة ، فليس إذا من الأسباب الذميمة شيء أقوى سببا من تمكن العادة لا سيما إن كان في طبيعته أن يميل إلى ذلك الشيء [ الذي ] تعوده . فإن لم يعن « 2 » في ذلك الطبع فإن العادة وحدها تبلغ في ذلك ، إذا استحكمت وتمكنت ، مبلغا قويا ، وكذلك فعل العادة في الأشياء المحمودة الفاضلة ، فإن رأيت صبيا طبعه جيد وعادته صالحة ، فإنه لا تفارقه الخصال المحمودة الشريفة لأنه طبع عليها من هاتين الجهتين أعني العادة والطبيعة .
فلموقع العادة هذا الموقع وجب أن يؤدب الصبي ويعوّد الأشياء الجميلة ، ويربى تربية فاضلة ليكون إن قبلت طبيعته منفعة التأديب والتفقد والتعاهد ، صار خيرا فاضلا . فإن أمكن أن يكون في الصبيان من لا يقبل ذلك لم يلزمنا نحن التواني وإغفال ما يجب من تأديبهم .
هامش
( 1 ) « وحاز » ( ح ) .
( 2 ) « يعرض » ( ح ) .