وأفعال الذهن ثلاثة : أحدها التخيل ، والآخر الفكر ، والثالث الذكر ، وإن الدماغ مقسوم بقسمين : أحدهما مقدمه والآخر مؤخّره .
ومقدمه أيضا مقسوم بقسمين ، البطن المقدم والبطن المؤخر .
وفي هذين البطنين المقدمين ينضج الرّوح الحيواني الصاعد إليه من القلب على العرقين الذين يكون منهما الطبقة الشبكية المفروشة تحت القحف ، ويستحيل هناك ويلطف ويخرج فضوله على الأنف والحنك ويصير نفسانيا فيفعل مع ذلك التخيل ، ثم ينفذ تلك الروح النفساني إلى البطن الأوسط فترقّ أيضا هناك في تلك الشبكة وتلطف حتى تصير أصفى . فما كان في مقدّم الدّماغ فيفعل الفكرة والروية والتمييز والذّهن . ثم ينفذ هذا الروح أيضا إلى مؤخّر الدماغ الذي هو أشرف بطون الدماغ وقد رقّ ولطف لما يحتاج إليه الذكر والحفظ من فعل الرقة والصفا ليذكر أشياء قد مضت وبعد عهدها .
وعند رأس المجرى الذي فيما بين البطن الأوسط والبطن المؤخر قطعة من جرم الدماغ شبيهة بالدّودة وتسمى الصنوبرة تنفتح وتنغلق وهي بمنزلة البواب ، وبانفتاحها ينفد الروح النفساني من البطن الأوسط إلى البطن المؤخر ، وليس يكون ذلك إلا عند الحاجة إلى ذكر ما قد أنسي وعند التفكر فيما قد كان .
فإن لم ينفتح هذا المجرى ولم تنفذ الروح إلى مؤخّر الدماغ لم يذكر الإنسان شيئا ولم يحضره جواب ما يسأل عنه . وهو مختلف بين الناس في سرعة انفتاحه وانغلاقه . فالذي يكون انفتاح هذا المجرى فيه سريعا يكون ذكيا سريع الجواب ، والذي يكون بطيئا فيه ، يكون بطيء الجواب . وباعتداله في الانفتاح والانغلاق تكون الفطنة والفهم والروية والتمييز وجميع أفعال الذهن .
التصريف لمن عجز عن التأليف — صفحة 112
مساهمون: صبحى محمود حمامى
ص١١٢