الغشي يبرد البدن وتزول تلك الحرارة النارية .
فأما الفتى الآخر المملوك : فحمّ حمى من دم قد تعفن وأنه قصده وغذاه أيضا بماء كشك الشعير « 1 » ، وقال في هذا الموضع : إن القوة إذا كانت قوية ممكنة تهيئ أن يفصد العليل من اليوم الأول إلى اليوم السادس ، وأنه قد فصد لمن كانت قوته جيدة في اليوم السابع وإنما تتوقى الاستفراغات في يوم من أيام البحران ، إما الرابع وإما السابع لئلا تستغل الطبيعة عن تمييز الفضل ودفعه لأن الطبيعة - وهي القوة المدبرة للبدن - متشاغلة بدفع الفضل الذي قد أحدث الحمى .
فإذا كانت الطبيعة - وهي القوة - قوية ممكنة لا « 2 » يضر الفصد وإخراج الدم المحدث لهذه الحمى من أول يوم إلى اليوم السادس .
وأكثر ما يستعمله أهل زماننا من الأطباء في هذا الوقت من إخراج الدم في هذه الحمى في أول يوم يؤخذ فيه ، أو اليوم الثاني أو الثالث ثم يتوقى إخراجه في اليوم الرابع لأنه يوم يتوقع فيه البحران إما بعرق أو برعاف « 3 » أو غير ذلك .
وقال جالينوس : إنما كشك الشعير المحكم الطبيخ يفي بتبريد هذا البدن المحموم وترطيبه ويذهب بعطشه ويمنع الفضول البخارية التي تنفد من الجلد تحله لأنك لو غسلت بماء الشعير بدنا وسخا نظفه « 4 » وأنقاه وجلا ما فيه من الوسخ كما يجلو البورق والعسل . ودليلك على أنه يجلو : أن « 5 » النخاسين يطلون به وجوه الجواري فينقيها من الوسخ وربما نقيت من الكلف القريب العهد .
فإن أردت أن يستفرغ من المعدة بلغم - يكون فيها - يسير بالقيء وجدت ما يخرجه ماء الشعير مثل ما يخرجه ويفعله العسل ، مع هذا أيضا أنه لا يمنع من إخراج الفضول الرطبة السائلة من المثانة والفضول المتعفّنة في الأمعاء ، أعني البول والبراز جميعا ، لأنه ليس فيه قبض فيمنع البراز ، ولا عفوصة فتمنع البول .
قد ذكرت في هذا الموضع أن الطبيعة هي القوة المدبرة لأبدان الحيوان . فإن قال قائل : ما الطبيعة التي يزعم الإنسان أن الطبيعة فعلت كذا وكذا وتفعل كذا وكذا ؛ هل هي مؤلفة من مزاج أم ليست « 6 » هي من تأليف المزاج ؟ فنقول :
هامش
( 1 ) قال أبقراط في كتابه الموسوم بماء الشعير والأمراض الحادة : ماء الشعير من أفضل الأغذية في مداواة الأمراض الحادة ( منها الحمى ) فإن ماء الشعير بما فيه من تقوية القوة والتقطيع يقوم مقام الغذاء والدواء لأنه يقطع ويرطب ما يحتاج إلى تقطيعه وترطيبه .
( 2 ) بالأصل : لم .
( 3 ) بالأصل : برعف .
( 4 ) بالأصل : بدن وسخ نضفه .
( 5 ) بالأصل : لأن .
النخاس : بائع الدواب والرقيق .
( 6 ) بالأصل : ليس .