إن جالينوس قال في كتابه في القوى الطبيعية : إن الطبيعة ليست بشيء متولد من مزاج حار أو برد أو يبوسة أو رطوبة ، وليست بشيء مكون في الأبدان من بعد كونها ، بل هي فيها معا ؛ وليست بمتولدة من مزاج لأنها لو كانت متولدة من مزاج لا تصلح « 1 » المزاج إذا فسد بل كانت تفسد معه ، فإذا كانت تصلح « 2 » المزاج إذا فسد فمعلوم أنها غير المزاج .
وإن قلنا : إن الطبيعة مكونة من شيء ، فالمكون لها أقدم منها . والشيء أقدم من الطبيعة ، فالطبيعة إذا ليست مكونة من شيء ، ولا [ هي ] متولدة من مزاج بل هي الشيء الفاعل في الشيء مع وجودها .
فالشيء الفاعل في الشيء هو الطبيعة كما وصفها أرسطاطاليس ، وقال : إن الطبيعة [ هي ] ابتداء الحركة والسكون . يعني أن الشيء الفاعل في الأشياء هو الطبيعة . ولا « 3 » تزال الطبيعة موجودة في الأشياء بقدر مدة فعل الفاعل فيها وهو الطبيعة ، فإذا بطل الفاعل في الأشياء بطلت و [ كأنها ] لم تكن موجودة .
فصفة الطبيعة الشيء الفاعل في الأشياء ، أي فعل كان للشيء . وذلك لأنه لا يجلو الشيء من الأشياء أن يكون فيه فعل ، أيما فعل كان . فذلك الفاعل لذلك الفعل الظاهر في أي شيء كان يقال له الطبيعة .
فالطبيعة [ كما ] يفهم من كلام أبقراط على أربع « 4 » جهات :
إحداها « 5 » : مزاج البدن .
والثانية « 6 » : هيئة البدن .
والثالثة « 7 » : القوة المدبرة للبدن .
والرابعة « 8 » : حركة النفس .
وذلك لأنه يقول : أن من الطبائع ما هي في الربيع أصلح ، ومنها ما هي في الشتاء أصلح ، يريد مزاج البدن وحيث يقول : أن من الطبائع ما الأكتاف منها عراض والصدر ضيق . ومنها ما الساقان « 9 » منها دقاق فإنما يريد هيئة البدن . وحيث يقول : إن الطبيعة هي الساقية للأمراض إنما يريد القوة المدبرة للبدن .
وحيث يقول : إن طبيعة كل واحد من الأشياء تجري على ما هي عليه من غير تعليم إنما يريد حركة النفس فهذا رأي أبقراط . وقوله [ هذا ] في كتاب أبيديميا وهو أجلّ كتبه .
وقد قال جالينوس في كتابه في الحث على تعلم الطب : أن الصحة أمر لا يمكن دونه فعل شيء من الأفعال الجميلة مثل الصلاة والصوم وغيرها « 10 » من الأفعال ؛ ولا الوصول إلى شيء من الأشياء اللذيذة .
وليس للإنسان شيء آخر ثالث .
هامش
( 1 ) بالأصل : لم تكن تصلح .
( 2 ) بالأصل : مصالحة .
( 3 ) بالأصل : فلا .
( 4 ) بالأصل : أربعة .
( 5 ) بالأصل : أحدها .
( 6 ) بالأصل : والثاني .
( 7 ) بالأصل : والثالث .
( 8 ) بالأصل : والرابع .
( 9 ) بالأصل : الساقين .
( 10 ) بالأصل : وغيره .