[ الباب الثالث والعشرون ] في الحميات
قال جالينوس في كتاب الحميات حيث حدّ الحمى : إن حد الحمى حرارة خارجة « 1 » عن حرارة القلب وطبعه ومزاجه . لأن مزاج القلب الطبيعي حار رطب ، لأن منه الحرارة الغريزية وهي حرارة رطبة لذيذة بها يكون النشوء والنمو في وقت النشوء وزيادة أبدان الصبيان . ولو كانت هذه الحرارة الغريزية حرارة يابسة نارية لما كان بها النشوء والنمو . فالحمى حرارة عرضية نارية غريبة تضر بالحرارة الغريزية الرطبة اللذيذة التي هي في القلب .
فإذا سخن القلب وحمّ بهذه الحرارة النارية انبعثت في الشريانات إلى البدن كله [ و ] أضرت بالأفعال الطبيعية كلها .
وقد حدّ جالينوس المرض في المقالة الأولى من كتاب « حيلة البرؤ » فقال : إن حدّ المرض [ هو ] ما يضر بالفعل لأن كل عضو من أعضاء البدن له فعل . ففعل الرجلين المشي ، فإن لحق الرجلين مرض أضر بفعلها أعني المشي . وفعل العينين البصر ، فإن لحق العينين مرض أضر ذلك بالبصر وهو فعلها .
فحدّ المرض ما يضر بالفعل ؛ والسبب ما يفعل المرض مثل الأسباب الفاعلة لحمي يوم إما من المشي في شمس حارة صفية محرقة فيسخن الدماغ ويسخن القلب . أو من طعام حار يأكله الإنسان فيسخن كبده فيسخن قلبه ؛ أو من حرد مفرط يسخن القلب .
فهذه أمثال الأسباب المحدثة للمرض . والعرض ما يلحق المرض « 2 » ، وهو ضربان « 3 » في طبيعته :
أحدهما : الضرر النازل بالفعل .
هامش
( 1 ) سماها ابن سينا : حرارة غريبة تشتعل في القلب . قال الأنطاكي في تذكرته : والمراد باشتعالها ليس ظهورها للحس .
وفي مكان آخر يقول : إنها حرارة طارئة زائدة على قدر الحاجة تختلف زمنا وغيره ، بها تخرج الأفعال البدنية عن مجرى الصحة حتى ينفدها القلب - ولو بواسطة - إلى نهاية البدن مع عدم المانع .
( 2 ) في فصل تعليم السبب والمرض والعرض اعتبر في القانون :
إن السبب في الطب هو ما يكون أولا فيجب عنه وجود حالة من حالات بدن الإنسان أو ثباتها .
والمرض هيئة غير طبيعية في بدن الإنسان يجب عنها بالذات آفة في الفعل وجوبا أوليا وذلك إما مزاج غير طبيعي وإما تركيب غير طبيعي . والعرض هو الشيء الذي يتبع هذه الهيئة ( أي المرض ) وهو غير طبيعي سواء كان مضادا للطبيعي أو غير مضاد .
( 3 ) بالأصل : ضربين .