هرب منه ولم يزل كذلك إلى أن جاء إلى خراث ( كذا ) « 1 » وانه ذهب ليأخذه فإذا حذاءه كسا ( ؟ ) والكركي تحته فأخذه وأشبعه عليه . وما أقرب هذا من الكذب ، ولكني حكيته كما وجدته ، وعهدة الصدق والكذب على قائله دون حاكيه .
وذكر لي عن انسان ، كان يلعب بالشاهين ، انه ارسل شاهينه يوما على غداف فراقاه حتى غاب معه في السماء ، فلما أيس منه وضجر من طلبته ، عاود إلى المكان الذي عوّده أن يشبعه فيه ، فرأى فيه غدفانا فطارت ، وأن الشاهين انقلب عليها فصاد منها واحدا ، وانه كان بين موضع تلف منه وبين موضع صاده أميال ، وأنا أصدقه في هذه الحكاية لأنه كانت لي جلمة وكانت فارهة على القبّر تصيد من خمسة أطلاق إلى ستة مراقي في السماء فلما كان آخر النهار تلفت ، فعدنا وتركناها وخرجنا غد ذلك اليوم فدعوناها في موضع عوّدت فيه الدعو ، فلم نشعر الا بها على رؤوسنا فأخذناها ، فمن هاهنا صدّقنا الحكاية عن الشاهين ، ولهذا سمي الشاهين غدّارا .
ولا بد لمن صنف كتابا أن يذكر فيه ما يصدّقه ويصح في العقل وما لا يصح في العقل ولا يقبله ، ليتصفح الناظر في كتابه عقول من يقبل الكذب ويصدّقه وعقول من نفاه واستقبحه .
ومتى بات الشاهين عنك لم تنتفع به ، واحتجت أن تتعب به تعبا مستأنفا ، ثم إذا أضجرته مرّ ، ومتى اعتاد الهرب كان أبدا هاربا ولذلك سمي آبقا .
ولقد كان لنا شاهين مقرنص ، بخلاف الشواهين في الهرب ، لأنا مذ لعبنا به وإلى أن مات ما هرب منا ، وكان يصيد من طير الماء ما كبر
هامش
( 1 ) في الجملة ابهام .