فيتحصل باستنشاقه في أجسام ساكني هذه المدائن التي قدمنا ذكرها تلك المدة اليسيرة خمائر أمراض قد خالطت أخلاطهم الغالية ومازجتها فأحدثت فيها أعفانا تنمو « 1 » فيها شيئا بعد شيء ، فإذا تصرم فصل القيظ ودخل فصل الخريف أثمرت تلك الخمائر بانقلاب الهواء من مزاج إلى مزاج ، فولّدت عند ذلك الأمراض ، وأحدثت الأسقام في الأجساد التي أمزجتها مشاكلة لمزاج ذلك الفساد ، وهي التي كانت في الفصل المتقدم متهيئة لقبول تلك الخمائر التي حصلت في أخلاطها فعفنتها وأحالتها أمراضا .
وقد قال الفاضل أبقراط « 2 » : « إنّه في الخريف تكون الأمراض أحدّ ما تكون وأقتل في أكثر الأمر ، فأما الربيع فإنه أصحّ الفصول وأقلّها موتا وأسلمها أمراضا » .
وإنما صارت الأمراض العفنية وما جرى مجراها من الأمراض الحادة العامية يختصّ بها فصل الخريف دون سائر فصول السنة ويكثر فيه الموت لمخالفة مزاجه لمزاج فصل الربيع ، إذ كان فصل الربيع على رأي جالينوس معتدلا ، فأما على رأي غيره من قدماء الأطباء فإنهم يرونه موافقا « 3 » لمزاج الدم ، والدم عندهم حار رطب وهو حليف الطباع وشكل الحياة .
هامش
( 1 ) خ : تنمي .
( 2 ) راجع أبقراط ، المخطوط المذكور سابقا 15 وس 10 - 12 : إن في الخريف تكون الأمراض أحد ما تكون وأقتل في أكثر أيامها ، فأما الربيع فأصح الأوقات وأقلها موتا .
( 3 ) خ : موافق .