فأما فصل الخريف فإن مزاجه بارد يابس مشاكل لطبع المرة السوداء والأرض وهو طبع الموت ، فهذا أكبر الأسباب الموجبة لكثرة الأمراض العفنية فيه .
ولكثرتها فيه أيضا سبب آخر هو / أحق به وأولى ، وذلك أن فصل الصيف بشدة حره ويبسه محرق للرطوبات المتولدة في أجساد الناس عند إدمانهم أكل الرطوبات وبخاصّ الفواكه ، فإنها تكثر في إبّان الصيف ، ويستكثر الناس من أكلها فتستحيل رطوباتها في أجسادهم مع رطوبات ما شاكلها من الأغذية المرطبة أعفانا ، ثم إنها تحترق بحر القيظ ويبس مزاجه كمثل ما يحترق الزبل الرطب المكبوس ويصير نارا يأكل بعضه بعضا ، ما دامت تلك الأعفان في أورادهم وباطن أجسادهم في حال الاحتراق ، فأمزجتهم حينئذ نارية مشاكلة لطبع القيظ ، فإذا تناهى احتراقها عند انتقالهم من مزاج القيظ إلى مزاج الخريف برّد تلك الرطوبات العفنة المحترقة المشاكلة لمزاج الصيف أمزجة أجسادهم ويبسها ، ونقلها إلى طبع الرماد الذي هو في البرد واليبس مشاكل لطبع الأرض ، فانتقلوا إلى مزاج الخريف وقد صارت أمزجة أجسادهم مشاكلة لمزاجه البارد اليابس ، فأوجب ذلك فشوّ الأمراض في كثير من الناس ممن مزاج جسمه مشاكل لمزاج الخريف ، وهذه الحال من مشاكلة مزاج الجسد لمزاج الفصل الوارد هي الحال التي يسميها الأطباء تهيؤ « 1 » الأجساد لقبول الأعراض الممرضة .
هامش
( 1 ) خ : تهي .