تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاوي في الطب — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
في الأكثر مما قد علم بالتجربة والقياس نحو العلم بأن مياه الفاسدي المزاج على الأكثر وسخة غليظة مشبهة لمياه الحبالى ، وأن الماء الأبيض الرقيق دال على عدم النضج في الأكثر ، وقد تكون له أسباب غير هذه . وإن الرسوب منه ما يدل على الكلى كالرمل الأحمر وقطع اللحم ، ومنه ما يدل على المثانة كالنخالة في الماء ، ومنه ما يدل على جراحة كالمدة ومنه ما يدل على خلط ني كالرسوب الخامي . وفي التفرقة بين المدة والخام والرسوب المنذر بطول المرض ، وسلامته ، والمنذر بالخير والشر ، وكذلك يسأل عن القوام واللون والطعم والريح وعن البول ما هو ، ومما ينفصل ، ومن أين يأخذ الصبغ ، ونحو ذلك مما يجب في هذا الأمر من المسائل ، فإن هذا مقدار لا يكون به طبيبا البتة إلا به ، وله بعد فضل علم كبير على مقداره يكون فضله في صناعته ، اللهم إلا أن ينتحل صناعة التجربة فقط ، فإن هذا يجب أن يسأل عما يدل عليه وينتفع به دون سائر الأسباب . وأما من انتحل القياس فأول ما يجب أن يمتحن به هل له معرفة بالكلام والحجاج وما له وعليه ، وأين مبلغه من ذلك ، فإنه على قدر ذلك تكون قوته في التعلق بالطب القياسي . وأكثر ما أرى أن يمتحن به الطبيب في الحميات و « الأمراض الحادة » والبحارين وأيامها ويسأل كيف يفرق بين أنواع الحمى من أول دورها وكيف تميز المركبة ، فإنه يدل على قدر عنايته لذلك تكون فضلته ومعرفته . وجملة كافية أقول إنه يجب أن يوثق به في الأكثر . أما من يعمل على طريق التجارب فأكثرهم تجربة وأطولهم خدمة وزمانا في الصناعة ، ولا يقتصر على طول الزمان فقط ، لأنه يمكن أن يبلغ في الزمن القليل الفتي الحدث ما لا يتهيأ بلوغه في الزمن الطويل المعروف بكثرة عناية العلاج والمرضى المؤثر برهم على الاكتساب . وأما من يزعم أنه طبيب قياسي فأعلاهم رتبة في الكلام والجدل والمنطق والطبيعيات والتعاليم ، ولا يقتصر منه على ذلك وحده ، بل تكون له مع هذا دربة واحتيال كثير ، ومراعاة للمرضى ، وخدمة كثيرة ، حتى لا يقصر عن أحد من المجربين فيما ظهر بالتجربة ويفضلهم بالقياس ، وهذا الرجل هو الطبيب الفاضل ولا يكاد يخفى أمره لأنه يرى دائما نصبا تعبا في النظر والبحث تارة ، وفي مزاولة العمل أخرى لا يهنئه شيء غيره ولا يلتذ إلا به ، ولا يقوم شيء من أعراض الدنيا مقام ما قد آثره ومال إليه ، فإن لم يجتمع هذا لرجل واحد فيجب للمعني بأمر الطب أن يجمع رجلين أحدهما فاضل في الفن العلمي من الطب والآخر كثير الدربة والتجربة ، والصدر عن اجتماعهما في أكثر الأمر ، فإن اختلفا في شيء فليعرض ما اختلفا فيه على كثير من أصحاب التجربة ، فإن أجمعوا جميعا على مخالفة صاحب النظر قبل منهم ، فإن الشكوك المبطلة تقع في الأكثر في الفن العلمي النظري أكثر منه في التجربة ، فإن