الشهوانية منهما لأجل اللذة المقرونة بها فلذلك وجب ان يكون للذة وقت محدود وقدر معتدل ، ومتى جاوزت ذلك المقدار ضرت وأمرضت ولذلك صارت النفس العاقلة هي المصلحة لهذا الفساد بتقديرها وتحديدها أوقاتا « 196 » للفعل ومقاديره ، إذا كان الأمر كذلك فيجب ان تعلم فعل كل نفس من هذه الأنفس على انفراد أولا بغير معونة من النفسين [ الأخريين « 197 » ] ثم ما تفعله بمعونة . فالنفس الناطقة فعلها على الانفراد هو وجود اتفاق الأشياء واختلافها . ومثال ذلك انها إذا سمعت قولين وقفت على ائتلافهما من اختلافهما وعرفت الحق من الباطل . واما فعلها بمعونة غيرها لها فهو أنها إذا رأت النفس الشهوانية قد أفرطت في بعض حركاتها استنجدت بالنفس الغضبية وهي الحيوانية لان لهذه النفس الجلد والبطش ولولا هما ما يمكن النهوض بنقل ولا البلوغ إلى غاية . وجالينوس يقول إن هذه النفس أعني الغضبية جوهرها هو الحرارة الغريزية وهذا قوله بلفظه ، قال جالينوس : وجوهر هذه القوة التي يقوى بها الانسان على الصبر والثبات في الاعمال فيما أرى الحرارة الغريزية لان حركة الحرارة الغريزية كلما كانت أقوى كان الانسان أحر أو كما أن البرد يورث الكسل والسكون والضعف كذلك الحرارة تورث النشاط والحركة والقوة على الفعل ولذلك صار الشباب والخمر يبعثان الانسان على الحركة والبطش والشيخوخة والأدوية الباردة يورثان الكسل والضعف فان تمادى بهما الزمان ابطلا الافعال والحركات .
فاذن اعتدال النفس الناطقة هو أن تكون ذكية كثيرة الفهم والحفظ مشتاقة إلى الافعال الجميلة وخروجها عن الاعتدال هو ما قاله جالينوس من أضداد هذه . قال جالينوس : لا بد ان كانت النفس الناطقة بليدة قليلة الفهم والحفظ غير مشتاقة إلى الافعال الجميلة وكانت النفسان البهيميتان قوتين عسرتي الانقياد لم يكن « 198 » ان تعتدل ، فقد تحتاج اذن أن تكون النفس الناطقة محبة للجميل مشتاقة إلى الحق عارفة باتفاق الأشياء واختلافها وأن تكون النفس الغضبية وهي الحيوانية قوية سلسة الانقياد ، وتكون النفس الشهوانية وهي النباتية ضعيفة لأن هذه النفس غير منقادة للنفس الناطقة كما وصفها فلاطن وشبهها بسبع ضار « 199 » وقال إن الذي يحتاج اليه من النفس النباتية ضعفها لا أدبها لئلا تمنع النفس
هامش
( 196 ) وردت في الأصل ( أوقات ) والصحيح ما أثبتناه .
( 197 ) وردت في الأصل ( الاخرايين ) والصحيح ما أثبتناه .
( 198 ) وردت في الأصل ( تكن ) والصحيح ما أثبتناه .
( 199 ) وردت في الأصل ( ضارى ) والصحيح ما أثبتناه .