وقته دلّ ذلك على أمر ردى خارج عن صحة ذلك الجسم ولذلك قال بقراط : النوم والأرق إذا جاوز كل واحد منهما المقدار القصد فلتلك علامة رديئة . وأيضا فان الطبيب إذا رأى النوم مثلا قد خرج عن اعتداله استدل بذلك على مرض ما قد حدث بالدماغ إذ كان النوم انما هو حال خاص بالدماغ يحدث مع برده ورطوبته المعتدلين فان أفرطا عليه أحدثا به السرسام « 190 » البارد ولذلك قال جالينوس . وبعد النوم يكون من برد الحاس الأول ، أعني الدماغ ، وذلك البرد إذا كان قويا ثم خالطته رطوبة حدث منه المرض الذي يسمى ليثرغس « 191 » وهو السرسام البارد ومتى كان معه يبس حدث منه المرض الذي يسمى فاطاليبس « 192 » وهو الجمود . وكذلك الأرق يكون من سخونة الحاس الأول الا أن تكون تلك السخونة اما أن تكون مزاجا رديئا مجردا واما أن تكون بغلبة من المرة الصفراء . وقال بقراط إذا كان النوم في مرض من الأمراض يحدث وجعا فذلك من علامات الموت وإذا كان النوم لينفع فليس ذلك من علامات الموت .
وقال بقراط أيضا متى سكّن النوم اختلاط الذهن فتلك علامة صالحة فاجعل استدلالك من النوم واليقظة بحسب ما ذكرناه لك من حالاتهما وما ذكره القدماء في ذلك واعلم أن النوم وان كان يتبعه احتباس ما يستفرغ ويتبع اليقظة استفراغ ما هو محتبس فإنهما يفعلان ذلك بحسب اختلاف حالات أخلاط البدن . وذلك ان النوم ان صادف في البدن خلطا لم ينضج وغذاء لم يستمرا انضج وجوّد الاستمراء وسخن ورطب ، وان وجد البدن نقيا محتاجا إلى غذاء قوي الحرارة نقيا ما صادفت من الرطوبات فلذلك يعقب قلة المادة برودة البدن ، فأما ان صادف مادة معتدلة قوى بها الحرارة الغزيزية فكان بنفعه عظيما كان انه ان صادف مادة كثيرة عسرة النضج قاهرة للقوة كان النوم ضرره عظيما كالذي يعرض في ابتداء نوائب الحميات النايبة « 193 » ولذلك يأمر الأطباء في مبتدأ التوبة بترك النوم . فاستعمل
هامش
( 190 ) السرسام - مرض عقلي وسببه ورم حاد ( التهاب ) في الدماغ ( الحاوي ج 1 / ص 340 - 374 ) .
( 191 ) ليثرغس - تعبير يوناني بمعنى السبات المرضي ، ويكون خطيرا إذا خالطته حمى ( الحاوي ج 1 / ص 317 - 340 ) وقد يكون أول من كتب عن هذا وغيره من الأمراض العقلية هو الإسكندر الافروديسي في القرن الأول للميلاد ( ابن أبي اصيبعة ص 106 ) .
( 192 ) قاطاليسي - تعبير يوناني بمعنى الجمود والتشنج .
( 193 ) وردت في الأصل ( النابتة ) والصحيح ما أثبتناه .