القول في الاستفراغ « 172 ب » والاحتقان
نظر الطبيب في أمر الاستفراغ والاحتقان يجب ان يكون على وجهين أحدهما للحاجة اليهما في أمر حفظ صحة الأصحاء والثاني في أمر معالجة المرضى . فالاستفراغ والاحتقان في حال الصحة هما طبيعتان وفي حال المرض هما عرضيتان وذلك ان الباري تعالى جعل للأجسام المغذيّة الثابتة قوة تجذب إليها ما يوافقها من الأغذية وقوة أخرى تحفظ عليها ما انجذب إليها إلى أن ينهضم وبعد ذلك يغتذى منه بما وافقها وما فضل مما لا يوافقها يندفع عنها بقوة أخرى خلقت في الأعضاء لدفع ذلك عنها فإذا كان الجسم صحيحا فعلت هذه القوى الأربع افعالها في الأوقات التي تخصها وإذا ضعفت أفعال هذه القوى أو لم تفعل افعالها البتة أو فسدت أو تأخر فعل بعضها عن وقته دلّ ذلك على مرض بالجسم فلذلك يجب على الطبيب ان يعنى بمعرفة الأستفراغ والأحتقان في تدبير جسم الانسان إذ كان غذاء الجسم ليس هو جميع ما يأكل الانسان ويشربه لكن اغتذاء أجسامنا انما هو الذي يصير شبيها بها فقط فاما ما لم يكن فيه المشابهة فإنما يبقى « 173 » فضلا ينتفع ببقائه في الأعضاء المغتذية فلذلك خلق الباري جلّ وعزّ في كل جسم منافذ وطرقا تبرز منها تلك الفضلات بدفع القوة الدافعة لها عن المغتذي وذلك كمنفذ البراز ومنفذ البول ومنافذ العرق والأثقاب التي يبرز منها فضل عضو عضو كالبلغم والمنخرين والاذنين وبالجملة ساير الأثقاب التي أعدت لذلك . وإذا كان الأمر على ما قلنا فقد يلزم الطبيب العناية بمعرفة نوع ما يستفرغ من البدن في حال الصحة فان وجده يبرز عن البدن بالمقدار الذي يجب وفي الوقت الذي ينبغي ان يبرز فيه وهو الوقت الذي قدرته الطبيعة للبروز اكتفى بفعلها وكف عن معاونتها . وان وجد ما يبرز من تلك الفضلات قد خرج عن الأمر الطبيعي وجب عليه ان يردّ ما خرج عن الأمر الطبيعي إلى مجراه الطبيعي إذ كان الطبيب خادما للطبيعة ، وخروج ما يبرز من البدن عن الأمر الطبيعي هو على ضربين « 174 » اما ان يكون ما يبرز من البدن أكثر مما ينبغي أو أقل ، فإن كان أكثر وجب عليه قطعه ومنعه وان كان أقل وجب عليه اسهاله ودفعه ولن يقدر الطبيب ان يأتي من ذلك الأمر المستقيم الا من بعد ان يعلم لم احتبس ما كان من عادة الطبع
هامش
( 172 ب ) اقرا في الاستفراغ للرازي في كتابه الفصول ص 90 - 99 وفي الاستفراغ والاحتقان لابن هبل ج 1 - 119 .
( 173 ) وردت في الأصل ( يبقا ) والصحيح ما أثبتناه .
( 174 ) وردت في الأصل ( على ضرب ) والصحيح ما أثبتناه .