تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الطبيب — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
ينتفعون به وخاصة عند اخذهم القليل منه في جملة اغذيتهم وبماله من الفضائل صار يقوي البدن ويكسبه خصبا ولونا مشرقا ونشاطا للحركات والاعمال . ولذلك فإنه أيضا هو يكسب النفس سرورا وفي بعض الأمزجة يجوّد الخاطر ويحدّ القريحة جميع هذه المنافع إذا يفعلها في الأصحاء مع ما « 170 ب » له من المنافع في المرضى إذا استعمل منه ما جاد من جوهره واعتدل في كميته وكيفيته وبحسب الأصلح ليستعمله في حال طبعه وسنه وعمله وعادته والوقت من السنة والبلد الذي هو ساكنه وغير ذلك مما لا بد من النظر فيه ، فأما ان اهمل النظر فيه وفي واحد من هذه الأشياء أو في أكثر من واحد كان الضرر الداخل على الانسان في نفسه وجسمه بحسب ذلك وخاصته ان جعل شاربه غرضه من شرب الخمر والنبيذ الالتذاذ به وطلب السكر ودوام ذلك فإنه سيؤول به الأمر من المضار العاجلة إلى ما يكثر تعديده ووصفه وأنت ان افتقدت المضار والعيوب التي يجلبها على من دوامه بكثرة وجدتها ظاهرة يعرفها من ليس هو طبيب بسهولة عندما يجعلها باله فكم من جسم صحيح قد أمرضه وكم صنوفا من الموت قد أحدثها وكم أدمغة قد أفسدها فذهب بحفظها وأساء تمييزها وكدّر تخيلها وكم أعصاب قد يبسها وأعضاء قد أرعشها وحواس قد أضعفها وكم صنفا من التغايير الرديئة تحدث للنفس في نومه فكيف إذا تمادى بصاحبه الإدمان على كثرته لأنه ينقل شاربه بعد سروره إلى الطرب واللعب كلعب الصبيان ثم ينقل الانسان إلى ظنه بنفسه الشجاعة فيحمله على التهور في المهلكات ويصور له القبائح بصورة المستحسنات ثم آخر أمره يؤول بصاحبه إلى العجز عن الحركات المستقيمة إلى الحركات المضطربة حتى ربما قذف وبال بين الحضور وهو لا يعلم فتصير منزلته في وقته ذلك منزلة الأطفال الذين تجري هذه الأفعال منهم مجراها من البهائم بغير عقل ولا تمييز . فهذه جمل من عيوب شرب الخمر وجمل من منافعه ولك ان تفهم منها من فروعها وما لم أر « 171 » للتطويل بذكره وجها . وبعد ما ذكرته فقد بقي ان أقول لمن أراد استعماله فمنافعه ان ينظر في اختلاف أصنافه فان الخمر الأسود الغليظ القابض هو مضاد للأبيض الرقيق الماء فأما الأحمر المايل إلى الصفرة فهو متوسط بينهما وأعني بأن الأسود مضاد للأبيض في أفعاله « 172 » لأن الأسود لغلظه لا ينفذ عن
هامش
( 170 ب ) وردت في الأصل ( معما ) والصحيح ما أثبتناه . ( 171 ) وردت في الأصل ( أرى ) والصحيح ما أثبتناه . ( 172 ) وردت في الأصل ( افعالها ) والصحيح ما أثبتناه .