الهواء ودائما ينفذ فيها الهواء ويخرج منها ما ينقيه الدماغ من البخار بنفخه وحركته الدائمة مع ما « 123 » يبعثه من الروح النفسانية إلى الحواس وإلى غيرها من الأعضاء عنه ، فالهواء قد يصل اليه مفرد بغير روائح وقد يصل مع الروائح وليس هذا اللطف العجيب من آلة الشم فقط لكنه موجود في آلة السمع أيضا فان آلة السمع لما احتيج ان تجعل داخل الرأس لتقرب من الدماغ وجعلت الاذن لها حاجب وساتر وكان الهواء يريد ان ينفذ من داخلها ولم يؤمن ان يصل معه غير الصوت من أجسام صغار وغيرها ، جعل داخل الآذن معوجا ومستديرا كاللولب ليصل الهواء والصوت ولا صغار الأجسام ، فتأمل لطف الباري تعالى بالحيوان وحكمته واتقان صنعته وليس ذلك من الحيوان فقط لكن في كل مصنوع . ومن لطفه تبارك وتعالى أن جعل للحيوان من الات الحس زوجا زوجا كالعينين ( ثنتين ) والأذنين والمنخرين واللسان مقسوما قسمين ليكون إن دخلت آفة على أحدهما بقت الأخرى للفعل . وإذا كنت قد وصفت جملا من خلقة المنخرين وآلة الشم وغيرها من الحواس ولوّحت لك من منافعها تلويحا لتشتاق بذلك إلى معرفة بنية جسمك ومنافع إعضائك فلا تقتصر على ما ذكرته هاهنا فقط بل أقصد كتب المعلم الفاضل جالينوس في التشريح « 124 » وكتابه الذي وضعه في منافع الأعضاء فإنك تحظى من هنالك بعلم ذلك بأسره فأرجع بنا إلى القول في آلة الشم وأعلم ان الواسطة في اشتمام الروايح هو الهواء فلذلك يجب ان تعدله وتحتاط من صلاحه للسبب الأعظم الذي هو الحياة والبقاء فإنه من المنخرين يصل إلى الدماغ وإلى الرئة فيروّح عنها ويمدها بالصافي النقي منه والسبب الثاني ان به تصل الروائح إلى البطينين المقدمين من الدماغ الذي بهما يكون الشم . والوجه الأخير ان من فساد الهواء قد تقدم لنا القول به عند القول في حاسة البصر وحاسة السمع ومع ذلك فاني أقول أيضا أنك وان بعدت من القرب من مواضع الروائح الردية فإنه ينبغي ان تحتال لموضعك ولهواك المحيط بك في أن تكسبه روائح موفقة طيبة لتصل إلى دماغك دائما بالشم ما يصلحه ويصلح الروح النفساني التي فيه وتزكيها كالبخورات وأنواع الطيب ولذلك نجد الأفاضل يكون ثيابهم وأجسامهم بالبخورات وغيرها من هذه الروائح ليدوم استنشاقهم لها فتعمل لذلك ولا تهمله « 125 » فإنك قد
هامش
( 123 ) وردت في الأصل ( معما ) والصحيح ما أثبتناه .
( 124 ) كتاب جالينوس في التشريح ربما يقصد بذلك كتابه ( علاج التشريح ) أو ما عرف باسم ( كتاب التشريح الكبير ) وهو بخمس عشرة مقالة . وفيه وصف لجميع أجهزة الجسم كما له كتاب آخر باسم التشريح الصغير ( ابن أبي اصيبعة ص 138 ) .
( 125 ) في الأصل ولا ( تعلمه ) والصحيح ما أثبتناه .