مقدار شرفها ونفعها وحثهم على علمها وخاصة مع أن تكسبهم وتعيشهم بها ومنها ممن لا يشتاق بما أذكره ولا يتحرك به لقراءة « 109 » كتبها والتأدب بآدابها فهو الخاسر نفسه ودينه جميعا . فارجع بنا أيها المحب للحق إلى ما كنا فيه وأفهم ما أقوله . أقول إن القدماء قد بينوا ان إدراك حاسة البصر للمبصرات انما يتم بنفوذ النور الباصر الواصل إلى العين في الهواء المضئ حتى ينفذ ويتصل بالمبصرات فتدركها القوة الباصرة وتتخيلها القوة المخيلة للنفس ، وكيفية هذا التصوير والقول فيه وحكاية ما رأته القدماء في ذلك لا يليق بهذا الموضع « 110 » ذكره لطوله وصعوبة مرامه . . فأما هاهنا فانا نقول إنه إذا « 111 » كان الأمر على ما قيل ، وما هو مشاهد أيضا من الهواء والضوء جميعا هما واسطة بين الباصر والمبصر ولا يمكن وصول صور المبصرات إلى حاسة البصر دونهما فيجب أن تجتهد في تعديلهما وإصلاحهما ليصح لحاسة البصر إدراكها . فالهواء قد يقبل الضياء وقد يعدمه ، والضياء فقد ينفذ نفوذا مستقيما في الهواء وقد يتعذر نفوذه وذلك لأن الهواء قد يغلظ ويتكدر بما يخالطه من البخارات الرطبة واليابسة فيعوق بذلك نفوذ النور فيه كذلك أيضا يعرض لنور البصر عند كدر الهواء ألا ينفذ فيه نفوذا مستقيما ولا يدرك المبصرات إدراكا حقيقيا فبواجب إذا ينبغي لك ان تعنى باصلاح الهواء المحيط بك وتجتهد ألا يفسده عليك بخار ولا دخان ولا غبار ، واجتهد أيضا في أن يكون سكنك موضوعا قبالة الرياح الشرقية فان المدن التي وضعها هذا الموضع هي أقرب إلى الاعتدال « 112 » لذلك هواها أصح وأرق وأشد صفاء ولذلك نجد بقراط يفضل هذه المدن على غيرها ويقول ، قال « 113 » بقراط في الموضع الشرقي من المدن في كتابه في البلدان والمياه هذا القول واما ما كان من المدن موضوعا قبالة الرياح التي فيها بين مطالع الشمس الصيفية وبين مطالعها الشتوية وما كان موضوعا منها على ضد ذلك فهذه هي الحال فيهما اما ما كان منها موضوعا قبالة مطالع الشمس فيجب أن تكون تلك المدن أصح من المدن الموضوعة قبالة الشمال ، ومن المدن الموضوعة قبالة الرياح الحارة [ ولما ] كان البعد فيما بينهما ليس هو الا مقدار اسطاذيون « 114 » واحد وهو عند اليونانيين سبعة
هامش
( 109 ) وردت في الأصل ( قراة ) والصحيح ما أثبتناه .
( 110 ) وردت في الأصل ( الموضوع ) والصحيح ما أثبتناه .
( 111 ) وردت في الأصل ( اذأ ) والصحيح ما أثبتناه .
( 112 ) وردت في الأصل ( الاعتدل ) والصحيح ما أثبتناه .
( 113 ) ( قال ) لا ضرورة لها والأرجح انها من خط الناسخ .
( 114 ) اسطاذيون تعبير يوناني في الابعاد .