تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الطبيب — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وراثة الأخوان والأحباء . عند الشدايد تمتحن صحة الصداقة كما يمتحن صحيح الذهب بالنار ، أسبق بالجميل إلى أصدقائك قبل التماسهم ذلك منك ، وخاصة إن عثر الدهر بهم . أودع الخيرات لأهل الصلاح والأبرار ولا تثق عليهما بأهل الطلاح والأشرار . امقت المخادع والملّاق كمقتك الكذاب السّراق . كن سهلا خلطا بالأخوان مكرما ومفضلا على الجيران . قرب ممن قرب إليك وأعف عمن جفا عليك واعلم أن استقامة الأدب مع الحكمة خير من المال والسلطنة . قال أرسطو طاليس : الحكمة رأس التدبير ، وهي سلاح النفس مرآة العقل . اجتهد إلا تكون واعظا بجميل الأقوال لكن تكون عظتك بجميل القول والفعال . لا تأخذن الحدث بصعب التأديب لكن درجة الأدب بترتيب . لقح عقلك بالآداب كما تلقح الشجرة بالشجر الكراب . رض النفس بالحكمة لتدرك الحقيقة كرياضة الراضة للجسم لتصبر على المشقة ، واعلم بأن الحكمة تفضي باهلها إلى مراتب عظيم فضلها كما أن من ولي سلطانا وجب عليه أن يبعد الأشرار عنه ، لأن جميع عيوبهم منسوبة اليه ، كذلك أنت أيها الطبيب يجب أن تبعد عنك الأشرار من الأصحاب والتلاميذ فان جميع ما يأتيك « 53 » من صحبك وخدمك منسوب إليك من قول وفعل ، واعلم أن الفقر مع الحلال أصلح من الغنى مع الحرام ، والذكر الحسن مع بقائه خير من نفيس المال مع فنائه ، وأيضا فان المال قد يوجد عند السفهاء والجهال ، والحكمة لا توجد الا عند أهل الفضل والكمال . اجتهد في أن يكون سرورك وحزنك جميعا بتوسط ، وكن على ما زاد منهما بتسلط وتأمل حال النفس الموسّطة للأخلاق من هذا القول الذي أحكمته لك من كلام جالينوس في أول المقالة الثانية من كتابه في المزاج « 54 » ، فإنه قال بعد ان وصف حال المزاج المعتدل هذا القول ، قال : فهذه حال الانسان الذي هو أعدل الناس مزاجا في بدنه ، وهو أيضا في نفسه متوسط بالحقيقة فيما بين الشجاعة والجبن وبين البطئ المتأخر وبين العجول المتهوّر ، وفيما بين الرحيم وبين الحسود ، ومن كان كذلك فهو طيب النفس محب متحبب متوخي لمحبة الناس ، دمث . وإذا كنت مجتهدا على أن تخفي مالك في بيتك فأحذر ان تخفي
هامش
( 53 ) وردت في الأصل ( يأتيه ) والصحيح ما أثبتناه . ( 54 ) كتاب المزاج - من مؤلفات جالينوس ويبحث في مزاج الأبدان والأدوية والأطعمة . وقد ترجم حنين هذا الكتاب إلى اللغة العربية ( ابن أبي اصيبعة ص 273 ) .