الطبيعيين والأطباء ، فان جالينوس قد شرح ذلك وكشفه في كتابه في آراء بقراط وفلاطن « 49 » وفي كتابه في الأخلاق « 50 » وفي مقالته التي بين فيها ان قوى النفس تابعة لمزاج البدن ، وقال :
إن القوة الأولى من قوى النفس هي القوة النفسانية وهي التي تتم أفعالها بالدماغ ، والقوة الثانية هي القوة الحيوانية وأفعالها تتم بالقلب ، والقوة الثالثة هي القوة الشهوانية وأفعالها تتم بالكبد . ثم تعلم باعتدال هذه القوى في الانسان تكون أخلاقه فاضلة ممدوحة ونفسه طاهرة زكية ، وبخروج هذه القوى عن الاعتدال تصير أخلاقه مذمومة ونفسه رذلة ، فاعتدال القوة النفسانية يكسب الانسان اللّب ، والعقل وجودة التحصيل والتمييز وصحة الفكر ، واعتدال القوة الحيوانية يكسبه الهدوء والرزانة وقلة الحرد والغيظ ، واعتدال القوة الشهوانية يكسبه العفة وضبطه لنفسه عن اتباع الشهوات واللّذات . وبعد علمك بما ذكرناه يجب ان تروض نفسك وتعوّدها هذه الخصال الثلاث ، اعني العقل والرزانة والعفة لتصير فاضلا أديبا وتنقي نفسك وتصلح لاقتناء العلوم ، واجتهد في الحذر من الوقوع في أمراض هذه القوى فأن خروج القوة النفسانية عن اعتدالها هو مرض لها يوجب سوء التحصيل والجهل . وخروج القوة الحيوانية على اعتدالها هو مرض لها يوجب سرعة الغضب والجزع .
وخروج القوة الشهوانية عن اعتدالها هو مرض لها يوجب ألّا يضبط الانسان نفسه أو الا تقوى له شهوة ، واجتنب هذه الحالات الست فإنها أمراض للنفس يوجب لها الفجور والخبث والدناءة . وتعمد العدل فان فضيلته به تنزل النفس كل شيء منزلته واستوص بوصية ارسطوطاليس للاسكندر ، فإنه قال : لا تمل إلى الغضب فإنه من أخلاق السباع والصبيان ، لا تفرط في الجزع على ما فاتك فان ذلك من خواص النساء الضعفاء ، ولا تمل إلى النكاح فإنه من خواص الخنازير وهي أقوى عليه منك وهو يهلك العمر . أصلح نفسك لنفسك فيكون الناس تبعا لك وتمسك بالحرية فإنها فضيلة للنفس بها تكون السماحة في البذل لاقتناء الحسنات وكن شريف الهمة فأن من شرفت همته نال الخير والكرامة ، ومن دنت همّته ناله الشر والهوان .
هامش
( 49 ) كتاب آراء بقراط وأفلاطون - من مؤلفات جالينوس بعشر مقالات وهو في التوفيق بين الطب والفلسفة ، وقد ترجم حنين هذا الكتاب إلى اللغة العربية ( ابن أبي اصيبعة ص 272 ) .
( 50 ) كتاب في الاخلاق - وهو لجالينوس بأربع مقالات ( المصدر المتقدم والصحفة ) .