ولما كانت صناعة الطب أجل المهن قدرا في نفع الانسان ، وأهلها السالكون طرقها بالحقيقة هم عند الناس من مرتبة شريفة عالية يكرموهم ويجلونهم وكانت أيضا هذه الصناعة مخصوصة بأقوام خواص ، فكانت بذلك مصانة لا يمكن كل من التمسها الدخول فيها ، فلما وسع لكل من طلبها الدخول فيها وكان الناس بطبعهم يحبون نيل المراتب النسبية والتشريف والتبجيل ، ولم يكن ذلك ليوجد لمهنة من المهن فوق صناعة الطب طلبها غير أهلها حسدا لهم ، ولما لم ينالوا حقيقتها لينالوا « 166 ب » به العلو والمنزلة الرفيعة لسوء أمزجتهم وغلظ قرايحهم عدلوا إلى الحيلة على الناس بضروب من الخدع والدهثمة ستروها بما أظهروه من الزي واللباس والتصنيع لمشابهة أهل الصناعة بالحقيقة في ألفاظهم ، وكثيرا من أمورهم . وكانوا بذلك وبما جمّلوا به دكاكينهم وأظهروه من آلاتهم ليصيدوا الناس كمن نصب الفخاخ وبسط الشباك لصيد الحيوانات . ولأن هذه الآفة الداخلة على هذه الصناعة وعلى أهلها حتى أوقعت في بعضهم الشك واكسبتهم سوء الظن بهم من كثير من الناس لما يرونهم عليه من صونها وتوفيتها حقوقها ، نعم حتى أن جهال الناس واشرارهم يعتقد فيهم البغضة ويضمرون لهم الشر .
فلذلك وصف جالينوس من خدع هؤلاء وخذلهم التي يعملونها ليتفقون بها على الناس فاذكر هاهنا بعضه ليعلم به جملة ما قصدت لذكره فتأمل . فأما جالينوس في كتابه في نوادر تقدمة المعرفة « 167 » هذا القول اما بحسب ما يراه كثير من الأطباء ( يا افنجانس ) فإنه غير ممكن ان يتقدم واحد فينذر بما هو حادث بالمرضى في كل واحد من أمراضهم ، وذلك أنه متذكر من غايته ان يظن به ما يقدره من غير أن يعنى بمعرفة ذلك حق معرفته لا في الطب فقط لكن في سائر الصناعات استهمين بأحسن ما في الصناعات واحرفت العناية إلى الأشياء التي تشتهر ويكبر بها الانسان عند الكبر ( فأقصد ) « 168 » معرفة الأقاويل والافعال التي تنحو نحو اللذة والتملق والمساعدة بالقحة والتسليم في كل يوم على ذوي اليسار والمتسلطين في المدن وتشييع من يريد الشخوص إلى ناحية من النواحي واستقبالهم إذا قدموا من البلدان والحيلة لطلب الضحك في المجالس ، ومنهم قوم لم يقتنعوا بهذه الأشياء فقط لكنهم راموا أيضا ان يقنعوا العوام انهم يستحقون بسراة لباسهم وكثرة ثمنه وحسن خواتيمهم وسراتها ، وكثرة من معهم من التباع وبما يوجد لهم
هامش
( 166 ب ) وردت في الأصل ( لينالون ) والصحيح ما أثبتناه .
( 167 ) كتاب نوادر تقدمه المعرفة - مقالة واحدة ( ابن أبي اصيبعة ص 143 ) .
( 168 ) وردت في الأصل ( قاصد ) والصحيح ما أثبتناه .