الطبيعية في كثير من أمورهم واستعملوا التشبيه والمماثلة والحدس وجميع ذلك قصد العلم الخفي بالظاهر . واما أصحاب المهن فامرهم في استعمال الحيل لاستخراج محاسنها ظاهر حتى أن أكثر الناس يعجبون مما يعمله أصحاب الحركات والخيالات ، وما يظهره أصحاب السحر من العجايب التي تدهش كثيرا « 165 » من الناس لاستتار أسبابها وعللها عنهم حتى أن قوما منهم يظنون أن الجن تفعل ذلك ، وآخرون يرون ان قوى إلاهية تخدمهم في ذلك ، فهذه الأشياء وأمثالها لم تتم للناس الا بلطيف حيلة للعقل . الا ترى ان صناعة الطب لم تستخرج محاسنها بما فيها من العلاج والاعمال الا بطريق الحيلة كقدحهم العين حتى تبصر من قد عمى ، وكبزلهم الماء من المستسقي ، ومن أصحاب القيل « 166 » المائية ، وكاستخراجهم الأخلاط الردية المفسدة بأدوية معلومة وبتقدير معلوم . ولكي يصيبون الغرض ويستخرجون ذلك الخلط بعينه ، ولان لذلك طرق وقوانين قد تفضل اللّه بها على نوع الانسان وضع العلماء بهذه الطرق فيها كتبا ليعلمها من أراد التعرض لذلك لئلا يسلك غيرها فيهلك الناس كالذي فعله قدماء الأطباء من ذلك ما وصفه الفاضل جالينوس من كتبه ( التي ) رتبتها ترتيبا طبيعيا . وعلى مذهب التعليم فبدأ من أول ما ينبغي ان يعلمه الطبيب وسار على نظام حتى بلغ إلى نهاية ما فيه صناعة الطب وهو أعوض ما فيها والطفه وأحسنه ، فوضع طرق ذلك وما استخرجه القدماء من الأطباء بتلك الطرق اللطيفة ، فوضع جميع ذلك في أربعة عشر مقالة وسمى ذلك الكتاب حيلة البرؤ فاذن بهذه الحيلة انتفع الناس وهي نتائج العقول وثمرات الفضايل التي يستحق بها المدح والتشريف .
واما من سلك طرق الحيل في الوصول إلى كسب الدراهم على غير الواجب وبلوغه لذاته فقط فما مثله الا كذيب قد ستر نفسه ليفترس ما أمكنه افتراسه . وليس الضرر الداخل على الناس من أصحاب هذه الحيل كالضرر الداخل عليهم من الحيوانات المؤذية بل أعظم كثيرا ، لان الحيوانات لا تقدر على التقلب من فعل إلى فعل لكن لكل واحد واجد منها فعلا طبيعيا خصه به تكون أذيته ، فاما الانسان الشرير المؤذي ( الحيول ) فإنه يؤذي بطرق مختلفة ويتقلب في الافعال المؤذية بحسب اتساع حيلته فلذلك هذه الطائفة على نوع الانسان أشر من السبع والذيب والنمر والأفعى والعقرب وغيره من المؤذيات .
هامش
( 165 ) وردت في الأصل ( كثير ) والصحيح ما أثبتناه .
( 166 ) القيلة - هي الأدرة اي الخصبة المنتفخة بالماء .