تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أدب الطبيب — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
يأخذ من ذلك بطبعه حسب الكفاية تارة وحسب ما تهيأ أخرى ، وبين الحيوان في ذلك اختلاف وتفاضل . فاما الانسان الفاضل فلا يأخذ من الغذاء ولا من الجماع الا بحسب حاجته فقط ، والمقدر لذلك هو العقل ، ولأجل ان الطبع يعتبر باللذات فيزيد من الأمور اللذيذة أكثر من حاجة الجسم في بقائه وصلاحه والعقل يريه قبح ذلك وفساده وقعت بينهما محادثة ومناظرة ( وضرب ) لا يقدر الانسان العاقل الفاضل على توسطه وتعديله وطفي ناره الا بقوة عظيمة ثالثة جعلها الباري تعالى كالآلة للحرب ليقدر بها المحارب على مقارعة محاربه ، فان بادر العقل إليها واستعان بها على محاربة الطبع قهره وظهرت رياسته وقدر على اظهار عدله وأمكنه وضع الأمور مواضعها ، لان الملك والرئاسة قد حصلت له وحده والحمل الطبع الذي هو ضده وهذه الآلة هي القوة الغضبية التي جعلت كالسيف للمحارب فمن قوى على خصمه استعان بها في حربة . ولما كانت حكمة الباري تعالى واحدة لا اختلاف فيها شابهت بعضها بعضا ولذلك يوجد في الانسان من الحكم والنظر مثل ما في العالم بأسره ، ولهذه العلة قالت القدماء ان الانسان هو العالم الأصغر « 153 ب » ولذلك يجد العاقل من الناس من قدرة الباري تعالى ولطفه بخلقه وجوده عليهم ما لا يجده الجاهل ، فيكون العاقل بذلك في نور دائم ولذة لا تنقطع ونعمة لا تفارقه من فردوس الحكمة التي هو دائما لها في سره والجاهل في ظلمات وشقاء . فالعاقل لذلك يعلم أن الملك في ملكه والرئيس في رئاسته والعالم في علمه لم يميزهم الباري تعالى من سائر خلقه الا بقوة وسعادة من عنده ، خصّهم بها لنفع الرعية « 154 » وصلاح الكل كما ميّز العقل من الطبع ، ولذلك وجب عليهم ان يقومون للعالم بما نصبوا له فكما ان العقل يجتهد في تقويم الطبع كذلك على الملك ان يجهد نفسه في صلاح رعيته . وكما أن العقل إذا خالفه الطبع يستعين على مقاومته بالقوة الغضبية كذلك ينبغي للملك ان يستعين بهذه القوة بعينها عند الخلاف عليه إذا كان سالكا في تدابيره طرق العدل . وكما أن المحارب لا يصلح له تجريده سيفه عند الخوف من العدو وكذلك الملك لا يصلح له استعمال الغضب الا عند خوفه على فساد ملكه ، لان له قوى نافذة يمكنه بها تدابيره بغير غضب فأذن أعظم ما احتيج إلى الملك فيه هو حفظ ملكه واستجلاب المنافع له ولرعيته ، ولا يتم ذلك للملك أو يكون متيقظا مستضيء بنور العقل
هامش
( 153 ب ) هذا هو قول أفلاطون وأرسطو في كلامهما عن الكواكب وعوالمها . ( 154 ) وردت في الأصل ( الرية ) والصحيح ما أثبتناه .