هذا فقد بان ان من لم يعلم قوى الطبيعة وافعالها على الاطلاق لم يكن طبيعيا « 132 » لأنه لا يعلم أمزجة أنواع الحيوان والنبات والجماد « 133 » وكيف يستحيل ويغتذي بعضه ببعض . وإذا كان ذلك عند الطبيعي مجهولا فاحذر أن تكون هذه الأجناس من الاسطقسات واستحالة بعض الاسطقسات إلى بعض ، وتولد ما تولد من امتزاجها من الأجسام وما يعرض لجواهرها من الأمراض . وإذا جهل ذلك كان من الواجب الا يعلم هذه الأشياء المقدم ذكرها في بدن الانسان لان الانسان جزئي لهذه الكائنات ، والجزئيات المتشابهة الأجزاء ابدا تابعة لكلياتها . ولما علم معلمنا الفاضل جالينوس ان ذلك واجب ضرورة وان بقراط وسائر قدماء الأطباء بهذه الأصول تمسكوا ، وعليها بنوا كتبهم ، وبفروعها تعلقوا في حفظ الصحة وفي شفاء الأمراض اللذين هما غرض صناعة الطب ومقصده ، عمد جالينوس إلى أصل من هذه الأصول الطبيعية التي لا قوام لعلم حالات بدن الانسان الا بعلمها فميّزها ووضع من كل أصل منها كتابا ونسبه إلى ذلك الأصل وسماه لأنه يشتمل على ذلك الأصل وفروعه ولم يزل يفعل في أصل أصل كذلك حتى اتى على أصول الطب بأسرها ولما رأى الاسكندرانيون وهم أفاضل علماء من أهل هذه الصناعة حين كانوا يجتمعون ويجمعون المتعلمين لصناعة الطب ان احداث زمانهم لا تبلغ بأكثرهم هممهم إلى قراءة جميع تلك الكتب وخاصة التي وضعها جالينوس ، وأرادوا تقريب صناعة الطب من المتعلمين لها رتبوا من كتب جالينوس ستة عشر كتابا وجمعوهم أيضا معا لأكثرها طلبا منهم للأيجاز والاختصار وكانوا يقرؤنها في الاسكول « 134 » أعني موضعا كان لهم للتعليم ولذلك يجب الآن على من ادعى علم طبيعة بدن الانسان وانه قيم بحفظ صحته وبعلاج إسقامه ان يكون خبيرا بهذه الكتب على ترتيبها ، وان يكون قد قرأها على أستاذ عالم بها ، ومن ادعى علم ذلك فيجب ان يبدأ معه بالبحث والمساءلة من أولها وأولها كتاب فرق الأطباء لجالينوس « 135 » فيسأل عن غرض جالينوس في هذا الكتاب الذي يدعى قراءته وعن عنوانه وعن مرتبته وعن منفعته وعن قسمته وعن صحة نسبته وعن اي أجزاء علم صناعة الطب منه واي انحاء التعاليم
هامش
( 132 ) في الأصل ( طبيعي ) والصحيح ما أثبتناه
( 133 ) في الأصل ( بالجماد ) والصحيح ما أثبتناه
( 134 ) الاسكول - تعبير لا تبنى ومعناه وكان الدراسة ، اي المدرسة
( 135 ) كتاب فرق الأطباء - أو كتاب الفرق اختصارا ، وهو بمقالة واحدة ، وقد فسّره يحيى النحوي ( ابن أبي اصيبعة ص 134 ، 154 ) وترجمة إلى العربية حنين بن إسحاق ، وحققه وعلق عليه محمد سليم سالم سنة 1977